حق انتفاع

حق انتفاع
كتب م. إميل ن. عجبان
لم يكن البيت بيتي، ولا اسمي اسمي، ولا حتى حزني حُزني؛ كنت فقط أملك حق الانتفاع بكل ما ظننته ملكي. عشت بين أشياء كثيرة حملت اسمي، لكنها لم تحملني. بابٌ أفتحه كل مساء ولا يقودني إلى نفسي، ومرآةٌ تحفظ ملامحي أكثر مما أعرفها، ويدٌ أمسكت بها طويلًا حتى خُيّل إليّ أنها ستبقى، ثم أفلتت كأنها لم تكن سوى موعدٍ قصير مع الدفء.
منذ اللحظة الأولى، يتصرف الإنسان كمالكٍ مؤقت للعالم. يمد يده إلى الأشياء، يسميها، يحاصرها بالذكريات، ثم يطمئن إلى أسمائها كأن التسمية امتلاك. يقول: بيتي، جسدي، عمري، أصدقائي، أحلامي. غير أن الحياة، في هدوئها القاسي، لا تمنحه صكوك ملكية؛ تمنحه فقط حق الانتفاع. تسمح له أن يسكن جسده، أن يعبر أيامه، أن يحب بعض الوجوه، وأن يترك أثرًا صغيرًا على جدار الزمن، ثم تستردّ كل شيء دون أن تقدم تفسيرًا.
لعلّ أكثر ما يؤلم في الوجود أننا لا نكتشف هشاشة ملكيتنا إلا بعد أن نتعلق بها. نُحسن ترتيب الغرف، ونعلّق الصور، ونحفظ مفاتيح الأبواب، لكننا ننسى أن المفتاح نفسه ليس لنا، وأن اليد التي تديره عابرة مثل الباب. نعيش كما لو أن البقاء نتيجة طبيعية، لا معجزة مؤقتة؛ كما لو أن الذين نحبهم وُجدوا كي يظلوا، لا كي يعلّمونا معنى الفقد.
«حق الانتفاع» ليس مصطلحًا قانونيًا فحسب، بل ربما كان الوصف الأكثر صدقًا لعلاقتنا بالحياة. نحن لا نملك الوقت، بل نستخدمه قبل أن ينفد. لا نملك الجسد، بل نسكنه إلى أن يخفت. لا نملك الآخرين، بل نلتقي بهم في المسافة الممنوحة لنا، ثم نفترق مهما طال اعتقادنا بأن القرب ضمان. حتى الذاكرة، ذلك الملجأ الأخير، لا تمنحنا ملكية كاملة؛ فهي تحفظ ما تشاء، وتمحو ما تشاء، وتعيد إلينا الماضي بملامح ناقصة، كأنها تذكّرنا بأن ما نحتفظ به ليس الحقيقة، بل نسختنا الهشة منها.
وربما لا تكمن مأساة الإنسان في أنه فانٍ فقط، بل في أنه يقضي عمره كله يحاول أن يثبت عكس ذلك. يبني، ويجمع، ويؤجل، ويقول «لاحقًا» كأن الزمن موظفٌ لديه، ثم يستيقظ ذات يوم ليجد أن كل ما فعله لم يكن تأسيسًا لملكية دائمة، بل ترتيبًا جميلًا لفترة الإقامة. عندها يفهم أن السؤال لم يكن: ماذا أملك؟ بل: ماذا فعلت بما أُتيح لي؟ ومن أحببت بما يكفي كي لا يتحول وجودي بينهم إلى إقامة عابرة بلا أثر؟
إن الإنسان لا يُقاس بما امتلكه، بل بما صانه وهو يعرف أنه ليس له. قيمة اليد ليست في قبضتها، بل في قدرتها على أن تترك دون أن تُفسد. وقيمة الحب ليست في ادعاء امتلاك الآخر، بل في الاعتراف بأنه حرّ، عابر، وقابل للفقد منذ اللحظة الأولى. وربما تكون الحكمة الوحيدة الممكنة أن نعيش الأشياء بامتنان المستعير، لا بغرور المالك؛ أن نفتح الباب كل صباح ونحن نعرف أن لنا حق الدخول، لا حق البقاء.
بيتنا ملكنا لا نملك مفاتيحه..
أقرب الأشياء إلينا هو أكثرها غموضًا. هذا الجسد الذي نناديه «أنا» لم نختره، ولم نرسم حدوده، ولم نقرر موعد تعبه أو انطفائه. نستيقظ داخله كما يستيقظ مستأجرٌ في غرفة لا يعرف من سبقوه إليها، ثم نقضي العمر في تزيينها وإخفاء شقوقها، كأن الطلاء قادر على إقناع الجدران بأنها لن تسقط.
نعتني بالجسد حين يخوننا، ونغضب منه حين يعجز، ونحمّله ذنبًا لم يرتكبه. نطلب منه أن يحمل أحلامنا، وأن يخفي خوفنا، وأن يواصل السير حتى حين ينفد الطريق. لكنه، في لحظة لا نستعد لها، يذكّرنا بأنه لم يكن ملكًا لنا؛ كان الوعاء الذي مُنح لنا كي نعبر به العالم. كل ندبة فيه شهادة على إقامة مؤقتة، وكل ألم رسالة صغيرة من مالكٍ صامت يقول: لا تخلط بين السكن والامتلاك.
ربما لهذا يبدو المرض قاسيًا؛ لأنه لا يؤلم الجسد وحده، بل يهدم الوهم الذي بنيناه حوله. يضعنا أمام الحقيقة بلا زخارف: أننا نعيش داخل شيء قابل للكسر، وأن قوتنا لم تكن إلا هدنةً بين ضعفَيْن.
وقتنا هو رأس المال الذي يُنفق دون أن نراه
نحسب الوقت بالساعات، لكن الوقت لا يمرّ في الساعات وحدها؛ يمرّ في وجوه تتغير، وفي مقاعد تخلو، وفي كلمات نؤجلها حتى تفقد قدرتها على الإنقاذ. كل يوم يصل إلينا كما تصل رسالة مختومة: نفتحها، نستهلكها، ثم لا نستطيع إعادتها إلى المرسل.
نقول إن لدينا وقتًا، كأن الوقت رصيدٌ محفوظ في مكان آمن. نؤجل الاعتذار، والرحيل، والبدء، والحب، ثم نكتشف أن التأجيل ليس تأمينًا للمستقبل، بل طريقة هادئة لتبديد الحاضر. نحن لا نملك الزمن؛ نحن ننتفع بمروره. وما نسميه «عمري» ليس إلا عددًا من اللحظات التي عبرت بي ولم تستأذنني.
الغريب أن الإنسان لا يشعر بقيمة الدقيقة حين تأتي، بل حين تتحول إلى ذكرى. عندها تصبح اللحظة الصغيرة أثمن من سنوات كاملة؛ ضحكةٌ على مائدة، صوت أمٍّ ينادي، يدٌ على الكتف، نافذةٌ كان يمكن أن نفتحها ولم نفعل. الزمن لا يسرق منا الأشياء فجأة، بل يتركها تنسحب ببطء، حتى نلتفت فلا نجد إلا أماكنها.
ولعلّ النضج هو أن نتعامل مع الوقت كضيفٍ لا كخادم. أن نصغي إليه قبل أن يغادر، وأن نفهم أن كل «لاحقًا» قد تكون اسمًا آخر لشيء لن يحدث.
هناك دائما الآخر لكن لا أحد يسكننا إلى الأبد..
نحب الآخرين كما لو أننا عثرنا أخيرًا على أرض ثابتة. نضع قلوبنا بين أيديهم، ثم نطلب منهم—دون أن نقول—أن يظلوا كما عرفناهم. نغفل عن أن الآخر ليس غرفةً في بيتنا، بل بيتٌ مستقلّ له أبوابه وممراته وظلامه الخاص.
كل علاقة هي شكل من أشكال حق الانتفاع المتبادل. نمنح أحدهم وقتنا، فيمنحنا معنى. نترك له موضعًا في يومنا، فيترك لنا أثرًا في روحه. لكننا لا نملك حق احتجازه. لا يستطيع الحب أن يحوّل الإنسان إلى شيء، ولا تستطيع الذكرى أن تمنع الرحيل. أقصى ما يمكن أن يفعله الحب هو أن يجعل الإقامة أكثر صدقًا قبل أن تنتهي.
نؤذي من نحب حين نعامل وجوده كضمان. نطلب منه أن يثبت، أن يطمئننا، أن يعوض غياب العالم كله. ننسى أنه جاء إلينا بكامل هشاشته، لا بوعدٍ بالدوام. لذلك ربما كان الحب الحقيقي هو أن تحب شخصًا مع معرفتك بأنه ليس لك؛ أن تفرح بحضوره دون أن تحوّل حضوره إلى قيد، وأن تترك له باب الخروج مفتوحًا حتى لو كنت تخشى أن يستخدمه.
فالذين نعشقهم لا يمرون في حياتنا ليقيموا فقط، بل ليغيّروا شكل المكان الذي سنكمل فيه وحدنا.
الذاكرة هي مسكننا الذي نعود إليها ولا نجد أنفسنا
حين يضيق الحاضر، نلجأ إلى الماضي. نفتح أبواب الذاكرة كمن يفتح صندوقًا قديمًا بحثًا عن شيء يثبت أنه كان سعيدًا يومًا. لكن الذاكرة ليست أرشيفًا أمينًا؛ إنها كائن آخر يعيش فينا، يختار ما يبقيه، ويقصّ ما يربكه، ويعيد ترتيب الأحداث وفقًا للجوع الذي نشعر به الآن.
نحن لا نتذكر ما حدث تمامًا، بل نتذكر أثره فينا. ولذلك قد يصبح شخصٌ غائب أكثر حضورًا من شخص يجلس إلى جوارنا، وقد تكون لحظةٌ قصيرة أثقل من عمر كامل. الذاكرة تمنحنا حق الانتفاع بالماضي، لكنها لا تمنحنا حق العودة إليه. نستطيع أن نلمس الصورة، لا اليد التي ظهرت فيها؛ أن نسمع الصوت في داخلنا، لا أن نستدعي صاحبه من المكان الذي مضى إليه.
ومع ذلك، لا نملك إلا أن نعود. فالماضي، حتى حين يؤلم، هو الدليل الوحيد على أننا كنا هنا. إننا نحتفظ بالأشياء لا لأنها ما زالت قادرة على إنقاذنا، بل لأنها تمنح وحدتنا شكلًا يمكن احتماله. كل ذكرى شمعة في ممر طويل، لكنها لا تعيد البيت؛ فقط تساعدنا على رؤية الطريق إلى الخارج.
الأشياء حين تتحول الملكية إلى قفص
نملأ حياتنا بالأشياء كي لا نسمع فراغها. نشتري ما لا نحتاج، ونحتفظ بما لا نستخدم، ونحرس مقتنياتنا كأنها تحرسنا من العدم. ثم، بعد سنوات، نكتشف أننا لم نكن نملك الأشياء، بل كانت الأشياء تحتلنا تدريجيًا.
للأشياء قدرة غريبة على تمثيل أصحابها بعد غيابهم. كرسيٌّ فارغ يحفظ هيئة الجالس أكثر مما تحفظها الصور، ومعطفٌ معلّق يظل محتفظًا بشيء من كتفٍ لن يعود، ومفتاحٌ صغير يواصل الإشارة إلى بابٍ لم يعد يفتح شيئًا. حين نغيب، لا تختفي الأشياء؛ هي فقط تفقد معناها الأول وتبدأ حياةً جديدة في يد شخص آخر.
لهذا فإن التملك قد يكون محاولةً فاشلة لتأجيل الفناء. نحيط أنفسنا بالأسماء والعلامات والأوراق، كأن كثرة ما نملك ستجعل غيابنا أقل احتمالًا. لكن الشيء الذي لا نتركه بإرادتنا قد يتحول إلى حملٍ يتركنا مثقلين حتى آخر الطريق. ليست الحرية في أن تملك أكثر، بل في أن تعرف متى تكفّ عن تحويل كل شيء إلى امتدادٍ لنفسك.
المعني والاثر هو ما نتركه بعد انتهاء الإقامة
إذا كان كل شيء مؤقتًا، فهل يعني ذلك أن لا شيء يستحق؟ أم أن قيمة الأشياء تولد تحديدًا من قابليتها للانتهاء؟ الوردة لا تفقد جمالها لأنها ستذبل، واللقاء لا يصبح أقل صدقًا لأنه لن يتكرر، والطفولة لا تفقد معناها لأنها لا تُستعاد.
ربما لا يكون المطلوب أن ننتصر على النهاية، فهذا مستحيل، بل أن نمنح ما نعيشه معنى يليق بفنائه. أن نترك وراءنا كلامًا أقل قسوة، ويدًا امتدت في الوقت المناسب، ومكانًا مررنا به فلم نزيد وحدته. فالمعنى ليس ما نحتفظ به بعد الرحيل، بل ما يتبقى في العالم بسبب مرورنا.
هنا يتحول حق الانتفاع من لعنة إلى مسؤولية. ما دام الشيء ليس لنا، فعلينا أن نستخدمه برفق. ما دام الجسد عابرًا، فعلينا ألا نهينه. ما دام الوقت محدودًا، فعلينا ألا نهدره في كراهية لا تنقذ أحدًا. وما دام الآخرون قابلين للغياب، فعلينا أن نحبهم قبل أن يصبح الحب خطابًا موجّهًا إلى فراغ.
إننا لا نُمنح الحياة كي نثبت امتلاكنا لها، بل كي نبرهن أننا كنا جديرين بهذه الإقامة القصيرة. وفي اللحظة التي نفهم فيها ذلك، لا تعود النهاية سرقةً كاملة؛ يصبح في وسعنا أن نغادر ونحن نعرف أننا لم نملك العالم، لكننا مررنا به دون أن نكسر ما لم يكن لنا.
ازليا وابديا سيأتي اليوم الذي نغادر فيه دون أن نغلق خلفنا شيئًا. سيبقى البيت واقفًا، وستواصل الساعة عملها، وستجد يدٌ أخرى طريقها إلى الأشياء التي أرهقنا أنفسنا في حمايتها. لن يحملنا أحدٌ معنا إلا ما تركناه في قلبه، ولن يتذكر العالم أسماءنا لأننا امتلكناه، بل لأننا مررنا به دون أن نزيده قسوة.
عندها فقط، حين تُسحب منا مفاتيح الجسد والوقت والوجوه، سنفهم الحقيقة التي تأخرنا كثيرًا في فهمها: لم تكن الحياة لنا يومًا. كنا ضيوفها، ننتفع بنورها قليلًا، ونغادر تاركين وراءنا دفءَ المقعد الذي جلسنا عليه.
وكل ما بين الميلاد والموت ليس ملكيةً كاملة؛ إنه فقط حق انتفاع، صدمة النفس والحياة.. حق انتفاع ينتهي حين يأتي صاحب الحياة ليستردّها.





