
هندسة القرار في جمهورية التخطيط لماذا نحتاج التشريح الوقائي للمشروعات
بقلم إيهاب محمود خبير اقتصادي
في معادلات الاقتصاد السياسي الحديث لم تعد قدرة الدول على تحقيق القفزات المستدامة تُقاس بضخامة الميزانيات المُعلنة ولا بعدد المشروعات المفتوحة على الخريطة بل بقدرة الإدارة العامة على هندسة القرار وحوكمة المخاطر قبل إنفاق الجنيه الأول ومع اتساع حجم الاستثمارات العامة وتدفق المشروعات القومية في مصر يبرز تساؤل استراتيجي يفرض نفسه على دوائر التخطيط كيف نحصن رؤانا الطموحة ضد التغلبات الفجائية ونضمن تحول كل جنيه مُستثمر إلى نتيجة ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية تكمن الإجابة في الجرأة على تبني أدوات التخطيط الحديثة وعلى رأسها أداة تشريح ما قبل الكارثة
تعتمد البيروقراطية التقليدية غالباً على تقييم المخاطر عبر استجابات متأخرة تُشكّل اللجان لتقصي أسباب التعثر بعد وقوعه وهو مسار تكلفته المادية والاستراتيجية باهظة للغاية في المقابل تقوم فلسفة التشريح الوقائي على إحداث صدمة إيجابية في طريقة التفكير التنفيذي عبر الانتقال بالزمن إلى المستقبل وافتراض أن المشروع قد تعثر بالفعل ثم البحث عن الأسباب بشجاعة وتحليل محايد قبل أن تبدأ معركة التنفيذ هذا التغيير الإجرائي البسيط يرفع عن الخبراء والتنفيذيين حرج التملق المؤسسي ويمنح أجهزة الدولة القدرة على كشف الثغرات المستتيرة سواء كانت في سلاسل الإمداد أو ارتباك التشريعات أو تقلبات الأسواق العالمية قبل أن تتحول تلك الثغرات إلى استنزاف مالي على أرض الواقع
إن إدخال هذه التقنية إلى أروقة الوزارات والهيئات المصرية لا يعني التردد أو إعاقة خطط التنمية بل هو الدرع الاستراتيجي الذي يضمن اكتمالها ونجاحها إذ يُسهم هذا النهج في تحقيق أهداف مفصلية أهمها حماية السيولة العامة بكشف الفرضيات التسويقية أو التشغيلية الخاطئة مبكراً مما يمنع توجيه رؤوس الأموال لمسارات غير مجدية وإيجاد صمامات أمان حاسمة تسمح للقائمين على المشروعات بتعديل المسار أو إيقاف استنزاف الموارد فور حيدها عن الأهداف المالية أو الاجتماعية فضلا عن تعظيم القيمة المضافة للإنفاق العام بتحويل الميزانيات المخصصة للمشروعات القومية إلى أقصى كفاءة تشغيلية بما ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق ودعم قوة الاقتصاد القومي
إن الدولة التي تمتلك الجرأة على مراجعة سيناريوهات الفشل المفترض قبل التنفيذ هي الدولة الأقدر على صناعة النجاح المكتمل إن إدخال تقنية تشريح ما قبل الكارثة إلى منظومة اتخاذ القرار في مصر يمثل انتقالاً راسخاً نحو مأسسة العقلانية الاستراتيجية لتظل الثروات والموارد العامة محصنة وتتحول الرؤى الطموحة إلى واقع ملموس يعزز الاقتصاد القومي ويخدم المواطن





