إنها حقًا عائلة مصرية

نورا سمير سعيد فرج
خلال هذه الأيام، ومع متابعتي على ما يحدث على السوشيال ميديا، تعيش الأسرة المصرية حالة خاصة جدًا. فالأب والأم يشاهدان أغلى ما لديهما في الحياة، وهما الأبناء وهم يعيشون مع أحداث السوشيال ميديا والأصدقاء .
والحقيقة أن الأسرة المصرية تنفرد عن كثير من الأسر في العالم كله، فبعد الزواج يصبح للأب والأم هدف واحد في الحياة هو الأبناء ومستقبلهم.
الأب يعمل، والأم تعمل، والكل يتحرك في اتجاه واحد هو توفير أفضل حياة ممكنة للأبناء. وليس لان منهم غير هدف أولادنا لازم يبقوا احسن ناس في الدنيا.
فتعود الأم من عملها، وتبدأ مباشرة في إعداد وجبة الغذاء، وبعدها تبدأ مرحلة أخرى: “هات الكتب”، “هات الكراسة يا حبيبي”، “تعالى نعمل الواجب”. وإذا كانت هناك دروس خارج المنزل، تخرج الأم وتقود سيارتها وتذهب مع الابن أو الابنة لتوصيلهم إلى المدرس، ثم تجلس ساعتين أو أكثر في الطريق تنتظر خروجهم لتعود بهم إلى المنزل.
وحتى الوالد عندما يعود إلى المنزل نسمع الزوجة تقول له: “ممكن تشرح للولد الموضوع ده؟ يبدو إنه ما فهموش النهارده في الفصل”.
كل ذلك يستمر حتى وجبة العشاء، عندما تتجمع الأسرة حول مائدة الطعام. وهنا تبدأ مرحلة جديدة، حيث تريد الأم أن تسمع من الأبناء ماذا حدث لكل منهم في المدرسة.
والأم، كما نقول بالبلدي، “عينها في وسط رأسها”، تريد أن تعرف كل شيء. تريد أن تسمع عن أصدقاء أبنائها في المدرسة، من هو صديق الابن أو صديقة الابنة، ومن هو والده ومن هي والدته ومازال في المدرسة .
وتستمر الأم في الاستماع أكثر وأكثر، وتتحول مائدة العشاء إلى جلسة تحقيق. فالأم تتحول الى وكيل نيابة تريد أن تعرف من الذي يؤثر على عقول أبنائها، ومن الذي يشكل أفكارهم وسلوكياتهم وتربيتهم.
وحتى إذا تدخل الأب ليعلق على شيء ما، تقول له الأم: “استنى… خلينا نسمع باقي الحكاية”.
إنها تريد أن تعرف من الذي يدير عقول أبنائها في المدرسة سواء من خلال الأصدقاء او حتى المدرسين او المدرسة هي المناخ الأول الذي يتربى فيه الطفل في مصر.
وينتهي العشاء، وتبدأ ترتيبات الاستعداد لصباح اليوم التالي، حيث تجلس الأم تراجع حقائب المدرسة واحدة واحدة، وتتأكد من وجود كل المطلوب لليوم الجديد.
ثم تبدأ مرحلة أخرى، حيث تدخل إلى مجموعة أولياء الأمور على وسائل التواصل الاجتماعي، تلك المجموعة الشهيرة التي أصبحت جزءًا من حياة كل أم مصرية.
وهنا تبدأ قصة أخرى قد تستغرق أكثر من ساعة، تستمع خلالها الأم إلى تعليقات باقي الأمهات عما حدث مع الأبناء خلال اليوم.
هذه الأم تحكي عن مدرسة اللغة العربية التي كانت شديدة مع الطلبة، وتلك الأم الأخرى تحكي أن مدرسة الرياضيات قضت الحصة كلها في الحديث مع الطلاب ولم تشرح شيئًا.
وتتعجب الأم لأنها لم تعرف ذلك خلال حديث الأبناء على مائدة العشاء.
المهم أن الصورة تبدأ في الاكتمال، والأم المصرية الجميلة تتابع أنفاس أطفالها طوال اليوم، سواء من خلال أحاديثهم أو من خلال أصدقائهم أو من خلال حكايات باقي الأمهات.
ثم تأتي عطلة نهاية الأسبوع، ويبدأ فصل جديد من الحكاية.
هناك عيد ميلاد، وهناك دعوة من الأصدقاء، وهناك هدية يجب شراؤها.
فتبدأ الأسئلة المعتادة: فين المكان؟ مين اللي هيكون موجود؟ أولاد وبنات؟ ولا أولاد فقط؟ ولا بنات فقط؟
وتبقى الأم حائرة.
وفي النهاية توافق على ذهاب الابن أو الابنة، لكنها تطمئن نفسها بطريقتها الخاصة.
فتقول: “أنا هوصلكم وهستناكم”.
ولكن الحقيقة أنها لا تنتظر فقط.
فالأم هنا لم تعد مجرد وكيل نيابة، بل أصبحت أيضًا ضابط مخابرات.
تجلس على مائدة بعيدة وتراقب كل ما يحدث. تتابع تصرفات الأصدقاء، وطريقة الكلام، ومن الذي يحاول التقرب من ابنتها الجميلة ذات الخمسة عشر ربيعًا.
إنها الأم بعينها.
تستطيع أن ترى وتفهم وتستنتج من بعيد.
فتلاحظ أن هناك من يتصرف بأدب واحترام، وهناك من يتصرف بطريقة لا تعجبها.
وعندما ينتهي عيد الميلاد، تعود الأسرة إلى المنزل، وتبدأ جولة جديدة من الأسئلة.
“مين ده؟”
“وإيه رأيك فيه؟”
“وإيه اللي حصل؟”
وتنتظر الأم الإجابات بكل اهتمام.
وقد يعلق الأب أحيانًا قائلًا: “مالناش دعوة بالولد ده بعد كده، خليكوا مركزين في دراستكم”.
فترد الابنة: “حاضر يا بابا”.
وعندها تشعر الأم براحة كبيرة.
ويستمر الحوار أكثر وأكثر، حتى تبدأ الأم في تكوين رأيها الكامل حول دائرة الأصدقاء التي تحيط بأبنائها.
فهي تعرف أن أصدقاء المدرسة غالبًا ما يظلون أصدقاء العمر كله.
وتتذكر أن كثيرًا من أصدقائها الحاليين هم في الأصل أصدقاء المدرسة، وأن سنوات العمر والزواج والعمل لم تنجح في إنهاء تلك الصداقات.
لذلك تحرص دائمًا على أن تكون دائرة أصدقاء أبنائها دائرة محترمة، من أبناء أسر لها نفس المفاهيم والقيم والتربية والأخلاق.
وفي النهاية نقول إن الأسرة المصرية ستظل دائمًا العمود الفقري والأساس لهذا الوطن.
فهي التي تربي، وهي التي تحمي، وهي التي تتابع، وهي التي تصنع الأجيال.
ولذلك نقول إنها حقًا عائلة مصرية جميلة ومحترمة.
ويا رب تظل مصر دائمًا بخير ما دامت فيها هذه الأسرة المصرية الأصيل





