خريف الإليزيه عندما يكتب طلبة المدارس نهاية عهد ماكرون

خريف الإليزيه عندما يكتب طلبة المدارس نهاية عهد ماكرون
إيهاب محمود يكتب
حين يسدل الستار على أي حقبة رئاسية غالبا ما تقاس نهاياتها بمدى استقرار الدول وسلامة انتقال السلطة لكن ما يحدث في فرنسا اليوم ونحن نقف على أعتاب استحقاق رئاسي حاسم يرسم المشهد بلون مختلف تماما لون هتافات المراهقين الغاضبين ودخان الغاز المسيل للدموع أمام بوابات المدارس الثانوية وصرخات المدرسين المحبطين إيمانويل ماكرون الذي دخل قصر الإليزيه صيف 2017 حاملا وعد التجديد والشباب والديناميكية يغادر الباب الخلفي لولايته الثانية والأخيرة محاصرا بركان اجتماعي أشعله من حيث لم يحتسب قطاع التعليم
صدمة الجيل الناشئ حين تنقلب الطاولة على مهندس الحداثة لطالما قدم ماكرون نفسه على أنه الإصلاحي الذي يفهم لغة العصر وجيل المستقبل لكن السياسات التقشفية الصارمة التي تبنتها حكومته واختيار ترحيل الأزمات المالية على حساب المرافق الحيوية وضعت التعليم العام في مهب الريح لم يعد الأمر مجرد أزمة موازنة أو نقص في أعداد المدرسين وفصول الدراسة بل تحول إلى إعلان قطيعة تام بين جيل الشباب وبين الجمهورية الماكرونية عندما يخرج طلاب المدارس وهم في مقتبل العمر إلى الشوارع فإنهم لا يحتجون فقط على مقعد مكسور أو منهج ضاغط بل يصرخون في وجه نظام يعتقدون أنه سرق أحلامهم وبدد مبدأ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه فرنسا
الفاتورة السياسية الهدية المجانية لخصوم الإليزيه في السياسة لا توجد احتجاجات بريئة وكل صرخة في الشارع تعني بشكل أو آخر خصما رصيديا من حساب الموجودين في السلطة معسكر ماكرون المتمثل في حزبه وحكومته يجد نفسه عاجزا عن احتواء الأزمة فالقبضة الأمنية والاعتقالات الواسعة للقصر لم تزيد الشارع إلا اشتعالا وأفقدت الخطاب الحكومي أي مسحة إنسانية أو أخلاقية في المقابل تقف قوى المعارضة بمختلف أطيافها من اليسار الراديكالي إلى أقصى اليمين لتتلقف هذه الهدية السياسية الثمينة إن غضب المدارس والجامعات هو الدليل القاطع الذي تسوقه المعارضة للناخب الفرنسي قائلة هذا هو إرث ماكرون الحقيقي دولة منقسمة وخدمات عامة منهارة وشباب محبط يرفض الدولة
إرث متآكل على أعتاب صندوق الانتخابات لم يعد خافيا أن ماكرون الدستوري الممنوع من الترشح لولاية ثالثة متتالية يسعى جاهدا للخروج بماء الوجه وحفظ ما يمكن حفظه من إرثه السياسي غير أن صور الاحتجاجات الطلابية المتلاحقة وتكتل النقابات التعليمية والعمالية خلفها في نموذج تقاطع النضالات تعني أن الرجل سيدفع الثمن كاملا يوم الاقتراع
إن المدارس الفرنسية التي طالما كانت عبر التاريخ مصنعا للنخبة ومستودعا لشرعية الجمهورية تحولت اليوم إلى مقبرة سياسية لعهد ماكرون فالرجل الذي بدأ عهده بوعود إصلاح فرنسا ها هو ينهيه على وقع جرس إنذار مدرسي يقرع إيذانا بسقوط مشروعه السياسي برمته على أعتاب صناديق الانتخابات القادمة





