حين يصبح الإنتظار إهانة أغلق الصفحة قبل أن تفقد نفسك

حين يصبح الإنتظار إهانة أغلق الصفحة قبل أن تفقد نفسك
بقلم د/ برديس رزق
إستشاري الصحه النفسيه وعلاج الإدمان
هناك لحظة في كل علاقة لا يكون السؤال فيها هل ما زلت أحبه بل هل ما زلت أحب نفسي بما يكفي لأتوقف عن هذا الاستنزاف لأن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تتجمد في مكانك بينما الطرف الآخر يركض نحو حياته ولا يجعلك تعيش على هامش أيامه في انتظار رسالة أو مكالمة أو اهتمام مؤقت يعيد إليك الأمل لساعات ثم يعيدك إلى دائرة الفراغ من جديد وهذا ما يفعله الشخص النرجسي ببراعة فهو لا يريدك شريكا حقيقيا بل يريد أن يضمن وجودك دائما كخيار احتياطي ومصدر دائم للإعجاب والاهتمام والتقدير بينما يعيش حياته بكل حرية وكأنك لم تكن جزءا منها
الشخص النرجسي لا يخاف من خسارتك بقدر ما يخاف من فقدان سيطرته عليك لذلك يترك لك مساحة صغيرة من الأمل تكفي لتبقى منتظرا ويمنحك جرعات متقطعة من الاهتمام حتى لا ترحل ثم يعود ليختفي مرة أخرى وكأن مشاعرك لعبة يقرر هو موعد بدايتها ونهايتها ومع الوقت تكتشف أنك لم تعد تعيش حياتك بل أصبحت تعيش على مواعيده وعلى مزاجه وعلى اللحظات التي يختار فيها أن يتذكرك
إذا وجدت نفسك تؤجل أحلامك وتؤجل سعادتك وتؤجل حتى قرار الرحيل لأنك تنتظر أن يتغير فاعلم أن الوقت لا يغير من لا يرى في نفسه خطأ وأن الاعتذار الذي تنتظره قد لا يأتي أبدا وأن الشخص الذي أحبك بصدق لن يجعلك تقضي عمرك في محطة انتظار بينما هو يسافر إلى كل الأماكن التي حلمتما بها معا
إغلاق الصفحة لا يعني أنك لم تحب بل يعني أنك احترمت نفسك بما يكفي لتتوقف عن النزيف لأن الحب الذي يجعلك تشعر بأنك غير كاف وبأن عليك أن تثبت قيمتك كل يوم ليس حبا بل استنزافا عاطفيا والإنسان لا يولد ليقضي عمره يطارد اهتمام شخص لا يلتفت إليه إلا عندما يشعر بالوحدة أو يحتاج إلى من يعيد إليه شعوره بالأهمية
قد يكون أصعب قرار هو أن ترحل وأنت ما زلت تحب لكن الأصعب منه أن تبقى وأنت ترى نفسك تختفي يوما بعد يوم لأن الانتظار الطويل لا يصنع المعجزات بل يصنع التعب والخذلان ويحول القلب إلى مكان مليء بالأسئلة التي لا تجد إجابة
في اللحظة التي تدرك فيها أن وجودك لا يضيف إلى حياته شيئا إلا عندما يحتاج إليك وأن غيابك لا يحرك فيه ساكنا بينما غيابه يهدمك كل مرة فاعرف أن الصفحة انتهت حتى لو رفض قلبك الاعتراف بذلك لأن العلاقات الصحية تبنى على المشاركة لا على الانتظار وعلى الاحترام لا على السيطرة وعلى الأمان لا على القلق
لا تجعل حبك سببا في سجنك ولا تجعل خوفك من الفقد يجعلك تفقد نفسك لأن الحياة أقصر من أن تضيعها في انتظار شخص يرى العالم كله بينما يطلب منك أن تبقى واقفا في مكانك تراقب خطواته وتصفق لنجاحاته وتسامح غيابه وتبرر قسوته فهناك أبواب لا تغلق لأنها انتهت بل لأنها لم تعد تستحق أن تظل مفتوحة وأجمل ما قد تفعله لنفسك أن تغلق الصفحة بهدوء وتمضي نحو حياة لا تحتاج فيها إلى أن تستجدي مكانتك في قلب أحد.





