حياة.. فتاة من مصر الجديدة (3)

حياة.. فتاة من مصر الجديدة (3)
نورا سمير فرج
وكانت إجابة حياة سريعة لوالدها: “حاضر، أنا موافقة”. وكانت سعادة الأب لا توصف لفرحة ابنته الوحيدة، أما زوجة الأب فكانت سعادتها أيضًا كبيرة، لأن شقيقها سوف يتزوج فتاة جميلة من عائلة كريمة.
وهنا طلب الدبلوماسي أنور أن تتم الخطوبة سريعًا قبل أن يعود إلى مكان عمله في الخارج، على أن يعود بعدها بأشهر قليلة لإتمام الزفاف. وأبلغتني حياة في المساء بكل هذه التفاصيل، وقالت إن الفرصة جاءت لها لكي تسافر خارج مصر، وتبتعد عن أحلام عاشت فيها سنوات طويلة.
وتم كل شيء سريعًا، وحضرت خطوبة حياة، ورغم ما كانت تظهره من فرح يومها، فإن نظراتها كانت تنطق بالحزن، لأنها فقدت حبيب حياتها.
وبعد أن سافر أنور، بقيت حياة معي، وكنا نخرج كل يوم معًا، وخصوصًا أنني كنت قد أنجبت ابني الأول وأصبحت أحتاج إلى معاونة، فكانت تقضي معي معظم الأوقات. ولم نعد نسمع عن أمجد شيئًا، خاصة أنها كانت تحاول عدة مرات بعينيها أن تسألني عنه، وكنت أنا أيضًا أتجنب الإجابة حتى بعيني.
وجاء وقت الزفاف، وتم كل شيء سريعًا، بل يمكن أن أقول إنه كان أسرع زفاف رأيته في حياتي. كانت الأمور سهلة وبسيطة للغاية، فلن يصدق أحد أنه تم اختيار فستان الزفاف في ساعة واحدة، من أول يوم دخلنا فيه المكان.
وتم الزفاف، وكانت ليلة جميلة. حضرت ومعي طفلي الصغير، وأنا أقول لها: “يلا اتشطري، عايزين بنت جميلة زيك”. وكان ردها: “حاضر”، لكن عينيها كانتا تحملان حزنًا عميقًا.
ويومها قالت لي: “تفتكري أمجد عرف إني اتخطبت وهاتجوز؟”. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تفتح فيها هذا الموضوع معي، وكانت إجابتي بعيني فقط.
وسافرت حياة مع أنور إلى مكان عمله في الخارج، ونظرًا لسهولة وسائل التواصل الاجتماعي في هذا التوقيت، كنا نتحدث معًا يوميًا. وأظن أنها كانت إلى حد ما سعيدة، فقد كان زوجها سعيدًا بها ويحبها، وانشغلت هي بحياتها الدبلوماسية الجديدة، من خلال حفلات الاستقبال وحفلات الغداء والالتزامات الدبلوماسية. وساعدتها لغتها وشخصيتها وشكلها المصري البسيط على أن تكون محبوبة بين أعضاء السلك الدبلوماسي في البلد الجديد.
وأنا أيضًا كنت مشغولة بحياتي وانتقالي إلى مسكني الجديد في مدينة الشيخ زايد.
ومرت سنتان، وجاءت عودة حياة وزوجها إلى مصر، لكي يعيشا فيها عامًا واحدًا، ثم يسافر أنور مرة أخرى إلى الخارج طبقًا للعرف الدبلوماسي في مصر.
وجاءت حياة هذه المرة إلى مصر ومعها طفلة جميلة تشبه أمها تمامًا، وعادت لقاءاتنا مثل أيام زمان، حيث كان زوجها يذهب صباحًا إلى وزارة الخارجية، بينما يكون زوجي في عمله، وفي أيام كثيرة كان يسافر إلى الغردقة لاستكمال عمله هناك. ولذلك عدنا مرة أخرى لقضاء أوقات طويلة معًا، وكنا نأخذ معنا أحيانًا هنادي لتقضي اليوم كله معنا في أحد النوادي.
وكنت ألمح دائمًا في عيني حياة سؤالًا واحدًا: “يا ترى أمجد أخباره إيه؟”، ولكنها لم تكن تنطق به، وتعمدت أنا أيضًا ألا أفتح هذا الموضوع.
وجاء البوست الجديد لزوجها في الخارجية، وكان هذه المرة في تركيا، وبالذات في القنصلية المصرية في إسطنبول. وفرحت كثيرًا بهذا المكان، فقد عشت فترة طويلة مع والدي هناك عندما كان ملحقًا عسكريًا في تركيا، حتى إنني دخلت مدرسة هناك لمدة عام، كما أن المسافة بالطائرة قصيرة، تقريبًا مثل السفر من القاهرة إلى أسوان.
وسافرت حياة مع زوجها إلى إسطنبول، تلك المدينة الجميلة، واتفقنا أن أزورها في القريب العاجل.
وفجأة جاء الاتصال من أمجد بعد كل هذه السنين.
لقد توسعت تجارته إلى أعمال تجارية عديدة غير الحبوب، واتصل بي ليقول إن لديه وفدًا أجنبيًا جاء لعقد صفقة في مصر، ويريد من زوجي، بحكم خبرته، أن يرشح له أنسب مكان لإقامة هذا الوفد.
وبسرعة أعطيت التليفون إلى زوجي، الذي بدأ يتحدث معه ويرشح له الأماكن المناسبة، ودار حوار طويل بينهما. وعرفت بعد الحوار أن والد أمجد قد توفي، وأنه قام بفتح أسواق جديدة في الخارج، ووسع تجارته إلى مجالات ومنتجات أخرى.
ويبدو أن أمجد سأل زوجي عن حياة، فأخبره أنها تزوجت دبلوماسيًا، وأنها الآن في تركيا. ويبدو أن أمجد كان على علم تقريبًا بكل الأحداث التي مرت بها حياة.
وانتهت المكالمة، بل وانتهت بعدها العلاقة بين زوجي وأمجد.
ومرت ثلاث سنوات طويلة في تركيا، وأعتقد أنني قمت بزيارتها أنا وزوجي وأطفالي ثلاث مرات، أما إجازتها السنوية فكانت تقضيها كلها معي ومع أطفالها الاثنين، ولم ننسَ أبدًا هنادي وأطفالها.
وعادت حياة إلى مصر لمدة عام جديد، لكي تنتظر “البوست” الجديد، أو المكان الذي سيذهب إليه زوجها بعد ذلك، خاصة أن زوجها أنور كان دبلوماسيًا متفوقًا في عمله، وكانت هي إلى جانبه تحظى بمزيد من الاحترام، بشخصيتها وشكلها المصري الجميل.
وفجأة تلقينا دعوة من جامعتنا القديمة، التي انتقلت إلى مدينة 6 أكتوبر في مبانٍ جديدة، وكان الاحتفال بمناسبة مرور عدة سنوات على افتتاح المبنى الجديد، وتمت دعوة جميع الخريجين.
وكان لابد أن نذهب إلى ذلك الاحتفال.
وبالفعل ذهبنا جميعًا، وكلنا شوق لأن نرى شلة مصر الجديدة، أو شلة مدرسة الأرمن الكاثوليك. واتفقنا أن نذهب قبل الموعد بنصف ساعة لكي نلتقي جميعًا ونحكي ونستعيد الحكايات.





