المقالات

بلد المليون تريند.. حين صار الهبد.. مهنة والفضيحة.. مصدر رزق

بلد المليون تريند..
حين صار الهبد.. مهنة
والفضيحة.. مصدر رزق

كتب: م. إميل ن. عجبان

لم يعد السؤال في زمن تيك توك: ماذا قدمت؟ بل أصبح: كم شخصًا شاهدك؟ لم تعد الشهرة مرتبطة بموهبة أو علم أو إنجاز، بل بقدرتك على احتلال شاشة الهاتف، ولو بالصراخ أو الاستعراض أو كشف أسرار البيت أو تحويل الخلافات العائلية إلى حلقات يومية.
مرحبًا بك في عصر الترند؛ العصر الذي يمكن أن تتحول فيه لحظة عابرة إلى شهرة، والفضيحة إلى إعلان، والبث المباشر إلى وظيفة، والجدال إلى مصدر دخل. هنا لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون موهوبًا؛ يكفي أن تكون قادرًا على جذب الانتباه، ولو كان الثمن كرامتك أو خصوصيتك أو هدوء بيتك.
من حملة التوقيف إلى سؤال أكبر: هل أصبح الترند مهنة؟
عاد الجدل في مصر بقوة خلال عام 2025 بعد حملة استهدفت عددًا من صناع المحتوى على منصات التواصل، على خلفية بلاغات واتهامات تتعلق بمحتوى وُصف بأنه خادش للحياء أو مخالف للآداب العامة، وفق ما أوردته سكاي نيوز عربية. وبصرف النظر عن تقييم كل قضية على حدة، فإن الظاهرة كشفت سؤالًا لا يمكن الهروب منه: متى يتحول السعي إلى الشهرة من نشاط عابر إلى مشروع مهني قائم على إثارة الجدل؟
وفي قضية أخرى حظيت بتداول واسع، ارتبط اسم صانع المحتوى المعروف بلقب «كروان مشاكل» بحكم قضائي بالحبس والغرامة على خلفية فيديو، بحسب تقارير صحفية مصرية. ولا ينبغي اختزال هذه الوقائع في أسماء أصحابها أو تحويلها إلى مادة للتشهير، لكن تكرار هذا النوع من القضايا يوضح أن بعض الحسابات لم تعد تتعامل مع المنصة كمساحة للتعبير فقط، بل كمنصة ربح وشهرة تقوم على اختبار حدود المقبول اجتماعيًا وقانونيًا.
المفارقة أن بعض الشباب بدأ ينظر إلى هذه النماذج بوصفها طريقًا مهنيًا سريعًا: هاتف، حساب، بث مباشر، ومتابعون. وكأن سنوات التعليم والتدريب والخبرة أصبحت اقتراحًا قديمًا، بينما يكفي أن تجد «الخلطة» المناسبة من الصدمة والجرأة والخلاف حتى تُفتح لك أبواب الشهرة.
الشهرة لمن يصرخ أولًا
في زمن مضى، كان الطريق إلى الشهرة يمر عبر الموهبة والعمل والتدريب. أما الآن، فقد يختصره مقطع مدته ثلاثون ثانية، أو مشاجرة مصورة، أو قصة عاطفية مبالغ فيها، أو بث مباشر يشارك فيه صاحبه تفاصيل لا ينبغي أن يعرفها أقرب أصدقائه، فضلًا عن ملايين الغرباء.
ليست المشكلة في وجود محتوى خفيف أو ترفيهي؛ فالناس تحتاج إلى الضحك والاستراحة. المشكلة تبدأ عندما يصبح المحتوى الهابط هو الطريق الأكثر ضمانًا إلى المشاهدات، بينما يبدو المحتوى المفيد كأنه ضيف ثقيل لا يعرف كيف يرفع صوته.
لقد أصبح الترند في أحيان كثيرة ميكروفونًا يُمنح لمن يستطيع إحداث أكبر قدر من الضجيج. لا يهم إن كان ما يقوله دقيقًا أو محترمًا أو مفيدًا. المهم أن يظل اسمه على ألسنة الناس. وهكذا تتحول الفضيحة إلى حملة دعائية مجانية، والخلاف الشخصي إلى موسم إعلاني، والانهيار النفسي إلى مادة قابلة للمشاركة.
الجمهور شريك في صناعة الظاهرة
من السهل أن نغضب من مؤثري تيك توك، وأن نصفهم بأنهم سبب كل ما أصاب الذوق العام من ارتباك. لكن هذه ليست الحقيقة كاملة. فالمؤثر لم يصنع نفسه وحده، ولم يفرض على الناس فتح مقاطعه ومشاركة أخباره. نحن الذين منحناه المشاهدة، ورفعنا أرقامه، وناقشناه في كل مكان، ثم سألنا بغضب: «هو مين خلّاه مشهور؟».
نحن فعلنا ذلك. شاهدنا المقطع «عشان نعرف بس»، ثم أرسلناه إلى خمسة أشخاص. دخلنا البث لانتقاده، فرفعنا التفاعل. كتبنا تعليقًا غاضبًا، فساعدنا المقطع على الصعود. بالنسبة إلى المنصة، لا توجد مشاهدة بريئة وأخرى غاضبة؛ كل تفاعل وقود، وكل تعليق إعلان مجاني، وكل مشاركة شهادة بأن هذا المحتوى يستحق مزيدًا من الانتشار.
إننا أحيانًا نشتكي من السوق الذي صنعته أيدينا. نرفع شخصًا إلى السماء، ثم نغضب لأنه صدق نفسه، ونمنح التفاهة ملايين المشاهدات، ثم نطالبها فجأة بأن تصبح راقية.
لماذا يحلم الشباب بالعمل في صناعة المحتوى؟
لأن صناعة المحتوى تبدو، من الخارج، كأنها أسهل مهنة في العالم. لا مدير يراقبك، ولا مكتب، ولا بطاقة حضور وانصراف. تظهر أمام الكاميرا، وتتكلم، وتحصل على المشاهدات، وربما تتحول بعد فترة إلى إعلانات وهدايا وبثوث مدفوعة.
لكن هذه الصورة تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا. صناعة المحتوى الجادة تحتاج إلى مهارات في الكتابة والتصوير والمونتاج والتسويق وفهم الجمهور وإدارة السمعة. أما المحتوى القائم على الإثارة وحدها، فيحتاج إلى شيء آخر: استعداد مستمر لتقديم المزيد من الحياة الخاصة، ورفع سقف الصدمة، وتحويل كل أزمة إلى حلقة جديدة.
وهنا يقع بعض الشباب في فخ خطير: يبدأ بمقطع عابر، ثم يكتشف أن الجمهور يريد المزيد، فيتنازل عن خصوصيته مرة، ثم عن هدوئه مرة، ثم عن مبادئه مرة ثالثة. وبعدها يصبح أسيرًا لشخصية صنعها بنفسه، لكنه لم يعد قادرًا على الخروج منها؛ لأن الجمهور لا يريد الإنسان الحقيقي، بل يريد النسخة الصاخبة التي اعتاد متابعتها.
الخوارزمية لا تحب الأفضل.. تحب الأكثر إثارة
الخوارزمية ليست ناقدًا أدبيًا ولا أستاذًا جامعيًا. لا تسأل إن كان المحتوى عميقًا أو سطحيًا، ولا تهتم إن كان يقدم علمًا أو يبيع وهمًا. هي تقيس شيئًا واحدًا: هل بقي المستخدم أمام الشاشة؟
ولهذا ينتشر المحتوى الذي يثير الغضب والخوف والفضول أسرع من المحتوى الهادئ. فالمقطع الذي يستفزك يدفعك إلى التعليق، والمقطع الذي يصدمك يجعلك تعيد إرساله، والمقطع الذي يثير فضولك يجعلك تنتظر النهاية. وكلما زاد انفعالك، زادت قيمة المحتوى بالنسبة إلى المنصة، حتى لو كان بلا قيمة حقيقية بالنسبة إلى حياتك.
الحل ليس في إغلاق التطبيق.. بل في تغيير قواعد اللعبة
مواجهة هوس الترند لا تكون بالصراخ على الشباب أو بإطلاق أوصاف عامة عليهم، كما لا تكون بالمنع وحده. المطلوب هو بناء وعي وقواعد وحوافز جديدة تجعل المحتوى المفيد قادرًا على المنافسة.
أول خطوة تقع على عاتق الجمهور. فالمقاطعة الرقمية أكثر فاعلية من الشتيمة. استخدام «غير مهتم»، وإلغاء متابعة الحسابات التي تقوم على الإهانة والفضائح، وعدم إعادة نشر المقاطع المسيئة، كلها أدوات بسيطة لكنها مؤثرة. لا تمنح المحتوى الذي ترفضه دعاية مجانية بحجة نقده؛ أحيانًا يكون أفضل تعليق على التفاهة هو ألا تمنحها تعليقًا.
أما الأسرة والمدرسة، فعليهما الانتقال من مراقبة الهاتف إلى تعليم الوعي الرقمي. يجب أن يفهم الأبناء كيف تعمل الخوارزمية، ولماذا لا يعني عدد المتابعين قيمة حقيقية، ولماذا قد تتحول صورة أو لحظة غضب إلى أثر دائم. الحوار أفضل من التخويف، وتعليم التفكير النقدي أفضل من مصادرة الهاتف ثم ترك الفضول يبحث عن طريق آخر.
وتتحمل المنصات مسؤولية لا تقل أهمية. عليها أن تكون أكثر وضوحًا في التعامل مع استغلال الأطفال، والتنمر، وانتهاك الخصوصية، والإعلانات المضللة، والمحتوى الذي يحول الإهانة إلى وسيلة ربح. كما ينبغي أن تشرح للمستخدمين كيف تقترح المحتوى ولماذا تمنح بعض المقاطع انتشارًا أوسع من غيرها.
وللمعلنين دور حاسم أيضًا. فالشركة التي تضع إعلانها بجوار محتوى قائم على الفضائح تمنحه شرعية إضافية، وتبعث رسالة مفادها أن كل شيء قابل للربح. دعم صناع المحتوى الذين يقدمون معرفة أو فنًا أو خدمة أو تجربة إنسانية محترمة ليس عملًا مثاليًا فقط، بل قرار تجاري مسؤول.
كذلك نحتاج إلى صناعة بديل جذاب، لا إلى الاكتفاء بالوعظ. فالمحتوى المفيد لا يجب أن يكون مملًا، والمحتوى المحترم لا يعني أن يكون بطيئًا أو جافًا. هناك مساحة واسعة للكوميديا النظيفة، والحكايات الإنسانية، والتعليم المبسط، والمواهب، والنقد الاجتماعي الذكي. وإذا أراد أصحاب الرسائل الجادة منافسة الترند، فعليهم أن يتعلموا لغة الصورة والإيقاع والحكاية، لا أن يكتفوا بتوجيه أصابع الاتهام.
الخاتمة: الترند مرآة.. ومن يكره صورته لا يكسر المرآة
تيك توك ليس مخلوقًا شريرًا، ومؤثروه ليسوا جميعًا بلا موهبة أو قيمة. لكن المنصة كشفت خللًا أعمق: نحن نعيش في مجتمع يكافئ من يخطف الانتباه، حتى لو لم يكن لديه ما يقوله.
المؤثر لا يفرض نفسه علينا؛ نحن من نمنحه المنصة والوقت والمال، ثم نمنحه لقب «التريند». لذلك تبدأ مواجهة المحتوى الهابط من سلوك بسيط لكنه حاسم: لا تشاهده، لا تشاركه، ولا تحول غضبك منه إلى دعاية له.
فالترند ليس قوة خارقة، والجمهور ليس بلا إرادة. كل مشاهدة قرار، وكل مشاركة تصويت، وكل متابعة إعلان عن نوع المحتوى الذي نريده في حياتنا.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن التفاهة أصبحت مشهورة، بل أننا منحناها مفاتيح الشهرة، ثم وقفنا أمام الباب نلعنها لأنها دخلت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى