المقالات

هنادي.. فتاة من صعيد مصر (2)

هنادي.. فتاة من صعيد مصر (2)

نورا سمير سعيد فرج

 

تناولت في مقالي يوم الإثنين قبل الماضي قصة “هنادي” صديقتي الصعيدية، التي تعرفت عليها في اليوم الأول من الدراسة في الجامعة، وأصبحت مع الأيام صديقة العمر. وحكيت كيف أن والدتها كانت فتاة قاهرية أحبت زميلها الصعيدي في الجامعة، وتزوجته رغم اعتراض اسرتها في البداية، ثم ذهبت لتعيش معه في صعيد مصر، وأنجبت هنادي ثم شقيقيها، وعاشت هناك سنوات طويلة بعيدًا عن أهلها في القاهرة.

ثم جاءت المأساة، فعندما انتهت هنادي من آخر امتحان في الثانوية العامة، عادت إلى منزلها لتجد الجميع في حالة صراخ، بعد أن توفي والدها ووالدتها وشقيقاها في حادث سيارة. وجاءت جدتها من القاهرة، وبعد صراع طويل مع الأسرة، أخذتها لتعيش معها في حي الزمالك، وهناك التحقت بالجامعة، حيث التقينا من أول يوم، وأصبحت أختي الثانية بعد رانيا.

ومضت سنوات الدراسة سريعًا، حتى وصلنا إلى السنة الرابعة. وخلال هذه الفترة تمت خطبتي إلى زوجي محمد، وتزوجت وأنا ما زلت طالبة.

وفي تلك الفترة كان هناك أحد المعيدين في الكلية، واسمه “معتز”، وكان دائمًا يحاول التقرب من شلة “بنات مصر الجديدة”، لكنني كنت ألاحظ أن اهتمامه الحقيقي كان موجها إلى هنادي.

وفي أحد الأيام قلت لها:

“أنا شايفة إن معتز المعيد بيحاول يقرب منك.”

فابتسمت وقالت:

“أنا مش فاضية للكلام ده… أنا عايزة أخلص الجامعة وبس.”

وبعد فترة جاءني معتز، وقال لي بصراحة إنه معجب بهنادي واريد أن تقدم لخطبتها، لكنه يشعر أنها تتجنبه، وطلب مني أن أعرف هل في حياتها شخص آخر أم لا.

فقلت له ضاحكة:

“ولا أول… ولا تاني… قلبها لسه صعيدي.”

وجاء يوم زفافي، وطلب مني معتز أن أدعوه، حتى يجد فرصة يتحدث فيها مع هنادي بعيدًا عن أجواء الجامعة.

وبالفعل حضر الفرح، وبينما كنت منشغلة بالاحتفال والرقص، لاحظت أنهما يتحدثان لأول مرة لفترة طويلة.

وبعد عودتي من شهر العسل، حضر معتز إلى منزلنا ليهنئني أنا وزوجي، ثم قال لي:

“أنا عايز أتقدم رسمي لهنادي.”

تحدثت مع هنادي، ولاحظت لأول مرة أن قلب الفتاة الصعيدية بدأ يلين أمام أخلاق معتز وهدوئه وثقافته.

ذهبت إلى جدتها لأبلغها بالأمر.

في البداية انزعجت كثيرًا، ثم طلبت مني أن أنتظر أسبوعين.

وخلال هذين الأسبوعين قامت الجدة بأكبر عملية مخابراتية يمكن أن يتخيلها أحد.

سألت عنه في كل مكان، واستعانت بمعارفها، وحتى والدي شاركها في السؤال، حتى إنها كانت تعرف عنه كل شيء… ويمكن أن أقول إنها كانت تعرف اسم “الداية” التي ولدته.

وبعد أن اطمأنت، حددت يومًا ليتقدم فيه معتز مع أسرته.

وفي الوقت نفسه طلبت حضور أعمام هنادي من الصعيد، احترامًا للتقاليد، لأن ابنة أخيهم ستتزوج.

لكن ما إن حضروا حتى قامت ثورة داخل المنزل.

فكل عم كان يريد أن تتزوج هنادي أحد أبنائه.

وكانت الجملة التي تكررت كثيرًا:

“دي عاداتنا في الصعيد… البنت أولى بولاد عمها.”

لكن قلب هنادي كان قد اختار طريقًا آخر.

وقالت الجدة يومها جملة لن أنساها أبدًا:

“أنا مش هكرر مأساة بنتي.”

كانت تقصد ابنتها، والدة هنادي، التي تركت القاهرة وهي في العشرين من عمرها، ولم تعش بعدها بجوار أمها مرة أخرى.

أما هنادي، فقالت بهدوء:

“أنا موافقة على الزواج من معتز”

ثم نظرت إليّ وضحكت تلك الضحكة الصعيدية الجميلة، وقالت:

“هو إنسان طيب.”

فقلت لها ممازحة:

“وبرضه… وسيم.”

فضحكت أكثر.

وبالفعل تم الزواج بعد التخرج بشهرين.

وكانت رغبة الجدة أن يعيش الزوجان معها في نفس الشقة، فلم يعد لها في الدنيا أحد غير هنادي.

ورحب معتز وأسرته بذلك.

أما هنادي، فكانت سعيدة لأنها عادت لتعيش في نفس الغرفة التي كانت تعيش فيها والدتها قبل أكثر من عشرين عامًا.

ومرت السنوات.

أنجبت هنادي فتاة تحمل نفس ملامح أمها، ثم رزقها الله بطفل آخر.

وأنا أيضًا أنجبت أولادي، وأصبحت الأسرتان أسرة واحدة.

حتى عندما اشترينا شاليهين في الساحل الشمالي، كان كل منا يسكن بجوار الآخر في نفس القرية.

ومضت الحياة بحلوها ومرها.

وفجأة…

داهم المرض الخبيث هنادي.

وجاء الخبر كالصاعقة.

بدأ العلاج في مصر، ثم أصرت جدتها أن تسافر إلى باريس لاستكمال العلاج.

وسافرنا أنا وزوجي إليها، وأقمنا معها أسبوعًا كاملًا.

وعندما عدنا إلى مصر، اتصل بنا معتز، وقال إن المستشفى طلبت عودتها مرة أخرى، لأن المرض كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة.

وعادت هنادي إلى مصر.

وكانت جدتها قد تجاوزت الثمانين، ولم تعد تستطيع الحركة.

استقبلناها في المطار.

وأثناء الطريق كانت تمسك بيدي وتقول:

“أولادي… أولادي في رقبتك يا نورا.”

ولم يستطع أحد منا أن يمنع دموعه.

وبعد أسبوع واحد فقط…

رحلت هنادي.

ورحلت معها أجمل فتاة صعيدية عرفتها في حياتي.

واليوم…

كبرت ابنتها.

وننتظر جميعًا هذه الأيام نتيجة مكتب التنسيق، وأتمنى من كل قلبي أن تدخل نفس الكلية التي درست فيها والدتها.

وأحيانًا أضحك بيني وبين نفسي، وأقول:

“يارب تلاقي معتز تاني…”

أقصد والدها.

أما جدتها، فقد قاربت اليوم على التسعين من عمرها.

لم تعد تتحرك كثيرًا، لكن ذاكرتها ما زالت قوية، وما زالت تروي كل يوم حكايات ام هنادي.

ولهذا كتبت قصتها…

حتى تبقى في الذاكرة دائمًا.

رحم الله هنادي… فتاة من صعيد مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى