ما وراء المساواة.. الهندسة التشريعية لتمكين المرأة في فضاء العمل

ما وراء المساواة.. الهندسة التشريعية لتمكين المرأة في فضاء العمل
بقلم: دينا عامر
إن الحديث عن حقوق المرأة في بيئة العمل لم يعد مجرد مطالبة بالمساواة الشكلية في الأجور أو الفرص
بل أضحى اليوم بحثا في عمق الهندسة التشريعية التي تضمن للمرأة بيئة عمل آمنة- عادلة- ومحفزة على الإبداع
فالتطور التشريعي الذي شهدناه في السنوات الأخيرة يسعى للإجابة على سؤال جوهري: كيف يمكن للقانون أن يكون درعا حقيقيا يوازن بين الأدوار الاجتماعية المتعددة للمرأة وبين طموحها المهني؟
وهنا نجد أن المشرع المصري مسترشدا بالمادة (11) من الدستور لم يكتف بإقرار المساواة بل وضع التزاما على الدولة بتمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل وهو ما يعد اعترافا قانونيا صريحا بأن التمكين هو عملية تكاملية تتطلب نصوصا خاصة تتجاوز العمومية
وفي ضوء القوانين المنظمة للعمل يبرز مفهوم الحماية الإيجابية كأحد أهم الأسانيد التي ترتكز عليها الحقوق المهنية للمرأة
فالنصوص التي تنظم ساعات العمل وإجازات الوضع والحماية من التعسف ليست مجرد امتيازات كما قد يراها البعض بل هي ضرورات تشريعية تهدف لتحقيق العدالة الواقعية
ويتسع هذا الإطار القانوني ليشمل الحماية من كافة أشكال الضغوط أو التحرش في بيئة العمل وهو ما يتماشى مع روح اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (190) واتفاقية سيداو التي تؤكد في مادتها الحادية عشرة على حق المرأة في الأمان الوظيفي والحماية من التمييز
إن هذا الربط بين النص المحلي والمعيار الدولي يمنح المرأة مرجعية حقوقية قوية تجعل من وعيها القانوني سلاحها الأول في مواجهة أي عقبات قد تعترض مسارها المهني
وعلى جانب آخر فإننا ونحن بصدد قراءة القوانين الجديدة والمقترحة للعمل نجد توجها نحو تعزيز حضور المرأة في المناصب القيادية كاستحقاق قانوني لا منحة مجتمعية فالقانون الذي ينظم شؤون الخدمة المدنية أو القطاع الخاص يجب أن ينظر إلى الكفاءة بمعزل عن الصور النمطية مع توفير الضمانات القانونية التي تحمي هذا الحضور من سقف الزجاج الذي قد يحد من طموحات النساء
إن التمكين الحقيقي يبدأ من صياغة عقود عمل عادلة تدرك قيمة الوقت والجهد وتوفر آليات واضحة للشكوى والتقاضي السريع مما يعزز من ثقة المرأة في المنظومة القانونية ويدفعها للمشاركة بفعالية أكبر في دفع عجلة التنمية الوطنية
ختاما….
تظل الحقيقة القانونية الثابتة هي أن قوة أي قانون لا تقاس بجودة صياغته فحسب بل بمدى قدرته على إحداث أثر حقيقي في حياة المخاطبين به
إن حماية المرأة في بيئة العمل هي حماية للمجتمع بأسره وضمانة لاستقرار الأسرة وقوة الاقتصاد
فالمرأة التي تعمل في ظل نظام قانوني يحترم خصوصيتها ويقدر كفاءتها هي الأقدر على تقديم نموذج ملهم للقيادة والعطاء
إيمانا بأن التنمية الشاملة تبدأ من إنصاف نون النسوة في ميدان العمل وتوفير الأرضية التشريعية الصلبة التي تسمح لها بالتحليق في آفاق النجاح مستندة إلى قانون لا يعرف التحيز ودولة تؤمن بأن العدالة هي الركن الركين لبناء المستقبل





