المقالات

الإدمان الذي لا يراه أحد حين يتحول سلوك عادي إلى بداية طريق أخطر مما نتخيل

الإدمان الذي لا يراه أحد

حين يتحول سلوك عادي إلى بداية طريق أخطر مما نتخيل

كتب  /أيمن فرغلي
استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان

كان كريم في الخامسة عشرة من عمره عندما اشترى له والده أول جهاز ألعاب. لم يكن هناك ما يدعو للقلق وقتها. مثل أي مراهق في سنه كان يقضي ساعة أو ساعتين يوميًا في اللعب بعد الانتهاء من واجباته الدراسية. كانت مجرد وسيلة للترفيه وقضاء الوقت.

مرت الشهور وتحولت الساعتان إلى أربع ساعات ثم إلى ست ساعات يوميًا. بدأ يفضل البقاء في غرفته على الخروج مع أصدقائه. أصبحت اللعبة هي المكان الذي يشعر فيه بالإنجاز والسعادة والراحة. لم يكن يدرك أن شيئًا ما يتغير بداخله ببطء.

عندما كان يشعر بالحزن كان يلعب، وعندما يغضب كان يلعب، وعندما يفشل في امتحان أو يمر بيوم سيئ كان يهرب إلى عالمه الافتراضي. هناك فقط كان يشعر أنه بخير.

ومع مرور السنوات لم تعد الألعاب تمنحه الشعور نفسه الذي كانت تمنحه له في البداية. أصبح يحتاج إلى المزيد من الوقت والمزيد من الإثارة ليشعر بالمتعة ذاتها. وعندما التحق بالجامعة بدأت ضغوط الحياة الحقيقية تظهر أمامه بصورة أكبر. مسؤوليات جديدة، ومستقبل مجهول، وتحديات لم يكن مستعدًا لمواجهتها.

لكن كريم لم يتعلم يومًا كيف يواجه الضغوط أو يتعامل مع مشاعره. فقد اعتاد منذ سنوات أن يهرب منها.

وفي إحدى السهرات عرض عليه أحد أصدقائه تجربة مادة مخدرة بحجة أنها ستساعده على الاسترخاء ونسيان التوتر لبعض الوقت. لم يكن كريم يبحث عن المخدرات، ولم يستيقظ يومًا وهو يخطط لأن يصبح مدمنًا. لكنه كان يبحث عن شيء واحد فقط… الهروب.

قد لا تنتهي قصة كل شخص يعاني من إدمان سلوكي بهذه الطريقة، وليس كل من يدمن الألعاب أو الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي سيتحول إلى مدمن مخدرات، لكن هذه القصة تكشف حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الإدمان لا يبدأ دائمًا بمادة مخدرة، بل قد يبدأ بسلوك بسيط يتحول تدريجيًا إلى وسيلة للهروب من الواقع.

عندما تُذكر كلمة الإدمان يتبادر إلى أذهان معظم الناس المخدرات والكحول والمواد التي تؤثر على العقل والجسد، لكن الحقيقة أن مفهوم الإدمان أوسع بكثير من ذلك. فهناك أشخاص لم يتعاطوا أي مادة مخدرة في حياتهم، ومع ذلك يعيشون حالة إدمانية حقيقية تسيطر على أفكارهم وسلوكهم وقدرتهم على التحكم في أنفسهم.

هنا يظهر ما يُعرف بالإدمان السلوكي، وهو أحد أكثر أنواع الإدمان انتشارًا في عصرنا الحالي، وربما أحد أكثرها تجاهلًا أيضًا. فالإدمان السلوكي لا يرتبط بمادة يتعاطاها الإنسان، بل بسلوك يمارسه بصورة متكررة حتى يصبح جزءًا أساسيًا من حياته، ثم يتحول تدريجيًا إلى حاجة نفسية يصعب الاستغناء عنها.

قد يكون هذا السلوك لعبة إلكترونية، أو استخدامًا مفرطًا للهاتف المحمول، أو قضاء ساعات طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو التسوق القهري، أو المقامرة، أو أي نشاط آخر يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالمتعة أو الراحة.

في البداية يبدو الأمر طبيعيًا جدًا، بل قد يراه البعض مجرد هواية أو وسيلة للتسلية. لكن الفارق بين الهواية والإدمان يبدأ عندما يفقد الإنسان قدرته على التحكم في السلوك. عندما يحاول التوقف فلا يستطيع. عندما يبدأ هذا السلوك في التأثير على دراسته أو عمله أو علاقاته أو صحته النفسية. عندما يصبح الهروب إليه أسرع وأسهل من مواجهة الواقع.

الدماغ البشري بطبيعته يبحث عن المكافأة والشعور بالراحة. وعندما يجد نشاطًا يمنحه هذا الشعور يبدأ في تكراره. ومع التكرار المستمر يصبح هذا النشاط مرتبطًا نفسيًا بالشعور بالسعادة أو الهروب من التوتر. وهنا تبدأ دائرة الإدمان في التشكل.

كلما شعر الشخص بالضغط لجأ إلى السلوك. وكلما شعر بالحزن لجأ إليه. وكلما واجه مشكلة أو فشلًا أو فراغًا نفسيًا عاد إليه من جديد. ومع الوقت لا يصبح السلوك وسيلة للمتعة فقط، بل يتحول إلى وسيلة للهروب من المشاعر غير المريحة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالإدمان السلوكي لا يكمن فقط في عدد الساعات التي يقضيها الإنسان أمام شاشة أو داخل لعبة أو على تطبيق معين، بل في الرسالة التي يتعلمها العقل دون أن يشعر صاحبها: “عندما تتألم… اهرب”.

هذه الرسالة البسيطة قد تبدو غير مهمة في البداية، لكنها مع الوقت تتحول إلى أسلوب حياة. وعندما يعتاد الإنسان الهروب بدل المواجهة يصبح أكثر عرضة للبحث عن أي وسيلة تمنحه الراحة السريعة أو النسيان المؤقت.

لهذا السبب يرى بعض المختصين أن الإدمان السلوكي قد يكون جرس إنذار مبكرًا. ليس لأنه يؤدي حتمًا إلى الإدمان على المخدرات، ولكن لأنه يكشف عن نمط نفسي قائم على الاعتماد المفرط على مصادر خارجية للهروب من الضغوط بدل التعامل معها بطريقة صحية.

فالإدمان لا يبدأ دائمًا بمادة مخدرة، بل يبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن مواجهة الواقع، ونبدأ في البحث عن أي شيء يبعدنا عنه.

وقد أظهرت الممارسة الإكلينيكية أن كثيرًا من الأشخاص الذين يعانون من مشكلات إدمانية كانوا قبل ذلك يبحثون فقط عن وسيلة للهروب أو النسيان أو تخفيف الضغط النفسي. ولذلك فإن التعامل المبكر مع الإدمان السلوكي، وفهم أسبابه، وتعليم مهارات المواجهة الصحية، قد يكون من أهم وسائل الوقاية قبل أن تتعقد المشكلة وتتشعب.

الحقيقة أن المشكلة لا تُقاس بنوع السلوك، بل بمقدار السيطرة التي يملكها الإنسان عليه.

فالإنسان الحر هو من يستطيع التوقف عندما يريد. أما عندما يصبح عاجزًا عن ذلك رغم إدراكه للأضرار، فهنا يجب أن يتوقف قليلًا ويسأل نفسه سؤالًا مهمًا:

هل ما أمارسه مجرد عادة… أم أنني بدأت أفقد السيطرة؟

إن الوعي بالإدمان السلوكي لا يهدف إلى تخويف الناس من التكنولوجيا أو الألعاب أو وسائل الترفيه، بل يهدف إلى تذكيرنا بأن أي سلوك يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا أصبح هو الوسيلة الوحيدة للهروب من الضغوط ومواجهة الحياة.

فالإدمان لا يبدأ دائمًا بحقنة أو قرص مخدر، بل قد يبدأ بضغطة زر، أو لعبة ظننا أنها للتسلية فقط، أو عادة اعتقدنا أننا نستطيع تركها في أي وقت.

وفي كثير من الأحيان تكون تلك البداية الصغيرة هي أول خيط في قصة أكبر بكثير مما نتخيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى