العدالة بصوت إمرأة

العدالة بصوت إمرأة
كتبت: دينا عامر
إن مفهوم العدالة بصوت إمرأة يتجاوز كونه مجرد عنوان ليصبح تجسيدا واقعيا لمسيرة تاريخية خاضتها النساء بين إطار تشريعي يهدف إلى الإنصاف وواقع تطبيقي غالبا ما أثبت قصوره في تحقيق العدالة المنشودة
هذه الرحلة الطويلة لم تكن مجرد اختبار للصبر بل كانت كشفا مستمرا عن الفجوة بين النص القانوني وفعالية تطبيقه
العدالة في جوهرها القانوني تفترض أن تكون ميزانا محايدا لا يميل إلا للحق متجردا من أي تمييز قائم على النوع الاجتماعي أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو القدرة على التعبير إلا أن التجربة المعاشة للمرأة تكشف أن العدالة لا تقتصر على وجود القوانين فحسب بل تبدأ فعليا من القدرة على الوصول الفعال إلى آلياتها وفهمها وممارستها دون خشية من التداعيات السلبية أو الانتقام
تاريخيا لم تكن المطالبة الأساسية للمرأة مقتصرة على سن النصوص القانونية فحسب بل امتدت لتشمل الاعتراف الكامل بوضعها كذات قانونية مستقلة وحقها في الحماية القانونية المتساوية والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة وحرية الاختيار
فكثير من النساء امتلكن الحقوق على الورق إلا أنهن حرمن من ممارستها الفعلية تحت وطأة الضغوط الاجتماعية أو الخوف من الوصمة أو غياب الوعي القانوني أو استمرار أشكال الوصاية المجتمعية التي تنتقص من أهليتهن القانونية باسم الحماية
فالمرأة التي تتعرض للعنف لا تحتاج فقط إلى نص قانوني يجرم الاعتداء بل إلى منظومة عدالة شاملة تضمن لها الحماية الفورية والدعم النفسي والقانوني وبيئة مجتمعية تؤمن بحقها في النجاة دون تحميلها مسؤولية الجريمة أو لومها
والأم التي تخوض نزاعا قضائيا حول حقوق أبنائها الأصيلة لا تحتاج فقط إلى إجراءات تقاضي بل إلى نظام قضائي يدرك أن العدالة المتأخرة أو البطيئة قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الظلم مما يؤثر سلبا على مصالح الأطفال الفضلى
والفتاة التي تواجه ابتزازا أو انتهاكا رقميا لا يكفيها وجود نص عقابي إن كانت تخشى الوصمة الاجتماعية أو التشهير أكثر من الجريمة نفسها مما يعيقها عن اللجوء إلى العدالة
من هنا يصبح التساؤل الجوهري: هل العدالة هي مجرد أحكام قضائية تصدر؟ أم أنها شعور بالأمان القانوني يمكن المرأة من المطالبة بحقوقها دون خوف من أن تدفع ثمن هذه المطالبة ذاتها أو أن تتعرض لمزيد من الانتهاكات؟
إن (العدالة بصوت امرأة) تعني أن تعرض القضايا من منظور الضحية لا من هامش التجربة
وأن ينظر للمرأة باعتبارها صاحبة حق أصيل لا مجرد طرف ضعيف يحتاج إلى الشفقة أو المعونة
وأن يتحول الوعي القانوني من حكر معرفي إلى ضرورة مجتمعية لأن العديد من الحقوق لا تهدر بالقوة القاهرة فحسب بل تفقد أيضا بسبب الجهل بها أو بغياب آليات إنفاذها
إن أخطر أشكال الظلم لا يكمن فقط في انتهاك الحقوق بل في ترسيخ قناعة لدى النساء بأن بعض أشكال الظلم طبيعية أو مقبولة أو أن الصبر عليها فضيلة أو أن المطالبة بالإنصاف تمرد على الأعراف
وهنا تحديدا يصبح الوعي القانوني فعل مقاومة وتصبح المعرفة بالحقوق والآليات القانونية أداة حماية أساسية ويصبح الصوت النسائي الواعي جزءا لا يتجزأ من تحقيق العدالة الشاملة
فالعدالة الحقيقية لا تقاس بعدد القوانين المسنونة وحدها بل بقدرة كل امرأة بغض النظر عن موقعها الاجتماعي أو الاقتصادي على الوقوف بثبات والمطالبة بحقوقها المشروعة دون أن يتحول مسار الوصول إلى العدالة إلى معركة تستنزف كرامتها وإنسانيتها
إن العدالة التي لا تستمع إلى صوت المرأة بشكل كامل وشامل تظل عدالة منقوصة
وحين تتحدث المرأة لا طلبا لامتيازات خاصة بل دفاعا عن حق أصيل من حقوق الإنسان فإنها لا تطالب بأكثر من جوهر القانون نفسه: الإنصاف والمساواة أمام القانون
لأن العدالة لا تكتمل إلا حين يسمع صوتها لا باعتباره استثناء أو تفضيلا بل حقا أصيلا من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز المساس بها





