حين يصمت الكبار.. هل يفهم الحنجوريون لغة الدولة؟”

حين يصمت الكبار.. هل يفهم الحنجوريون لغة الدولة؟”
امل ابو العلا تكتب
لم يكن خافياً على كل متابع منصف، يمتلك حداً أدنى من قراءة العقل المؤسسي للدولة المصرية، أن الأجهزة المعنية قد ألمّت منذ اللحظة الأولى لدخول تلك “المسيرة” أجواء ميناء دمياط بكل تفاصيلها الدقيقة؛ من أين أقلعت؟ وأي مسار سلكته؟ ومن هي الجهة الاستخباراتية أو الإقليمية التي يقف خلف زرع إحداثياتها؟ وما الغاية الخبيثة المراد تحقيقها من وراء هذا الاستفزاز المبرمج.
ومع ذلك، جاء القرار الاستراتيجي للدولة حاسماً ونابعاً من علو كعب وثقل إقليمي راسخ: الصمت المدروس وضبط النفس الاستراتيجي.
في عرف الدول العظمى والكبرى، لا يُدار الأمن القومي بمنطق الانفعال اللحظي أو استعراض العضلات المجاني خلف شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي. إن إقدام دولة بحجم مصر وجيشها الوطني العريق على الإعلان رسمياً عن الجهة الخارجية التي تورطت في إطلاق المسيرة، يعني تلقائياً وضع الدولة أمام التزام سياسي وأخلاقي حتمي بالرد العسكري الفوري والموجع. فمصر ليست “ملطشةً” لتمرير هكذا خروقات بلا حساب، وقواتها المسلحة لا تطلق التهديدات العبثية، بل تفعل إن تكلمت.
لكن الفرق شاسع وعميق بين “إدارة الدول بحكمة” وبين “شعبوية الحنجوريين” وأصحاب نظرية “خش عليه” التي لا تليق إلا بمشاجرات الطرقات وحارات العشوائيات. فهؤلاء الذين يطالبون بالصراخ وإشعال الحروب على الهواء مباشرة، لا يدركون تعقيدات المشهد الإقليمي، ولا يحملون همّ تداعيات التصعيد المفتوح على مقدرات الوطن واقتصاده واستقراره.
إن صمت الدولة العاقل لا يعكس بحال من الأحوال عجزاً أو جهلاً، بل هو قوة صامتة تزن الأمور بميزان الذهب، وتدرك متى تحتفظ باوراق اللعبة ومتى تلقيها بالطريقة التي تكفل حفظ الهيبة والردع معاً، بعيداً عن صخب المزايدات الرخيصة. فكفى استخفافاً بوعي صانع القرار المصري، وتارةً أخرى… دعوا الكبار يعملون في صمت، فإن أفعالهم أصدق ألف مرة من ضجيج الحناجر الفارغة.





