
وهم الدولار ب ٢٠ جنيها هل هي طوق نجاة أم رصاصة رحمة في قلب الاقتصاد المصري
بقلم إيهاب محمود خبير اقتصادي وسياسي
في جلسات الوسام والنقاشات الشعبية يتردد دائما ذلك الحلم القديم بصوت مفعم بالأمنيات يا ريت الدولار يرجع زي زمان ب ٢٠ جنيه جملة بسيطة ظاهريا يحمل خلفها المواطن البسيط شوقا جارفا لكسر حدة الغلاء واستعادة القوة الشرائية المفقودة للجنيه لكن ماذا لو تحققت هذه الأمنية فجأة ماذا لو استيقظنا غدا على شاشات البنوك وهي تعلن عودة الدولار إلى مستويات العشرينيات هل سنحتفل بنصر مبين للعملة الوطنية أم سنكون أمام انتحار اقتصادي ممنهج وصدمة عكسية قاسية قد تعصف بما تبقى من شرايين الإنتاج والتجارة الوهم الجميل والحقيقة المرعبة حين يهبط سعر صرف العملة بنحو ٦٠ في المائة إلى ٦٥ في المائة دفعة واحدة من مستويات تتجاوز ٥٤ جنيه إلى ٢٠ جنيه دون أن يسبق ذلك طفرة هيكلية ضخمة في الإنتاج والتصدير وتحقيق فائض دولاري حقيقي فإننا لا نتحدث عن تعافي اقتصادي بل عن زلزال مدمر يضرب منظومة متكاملة بنيت على أساس سعر الصرف الحالي الشرايين المقطوعة تحويلات المصريين والتجارة لنبدأ من الشريان الأغلى تحويلات المصريين بالخارج المغترب الذي يتغاضى عن صعاب الغربة لتحويل مدخراته لأهله مستفيدا من الفارق الكبير في القيمة سيجد أن قيمة ما يحوله قد تتبخر بنحو الثلثين النتيجة الحتمية عزوف عن القنوات الرسمية وربما عودة تدريجية للسوق الموازية هربا من تآكل القيمة مما يقطع الإمداد النقدي الأهم عن الاقتصاد المصري أما على جبهة التجارة الخارجية فالكارثة أعمق طوال السنوات الماضية استندت تنافسية الصادرات المصرية زراعية كانت أم صناعية إلى ميزة نسبية واضحة انخفاض تكلفة العمالة والإنتاج مقومة بالدولار عودة الدولار ل ٢٠ جنيها تعني فجأة تضاعف تكلفة الإنتاج المحلي دولارين لتفقد المصانع المصرية قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية أمام منافسين شرسين من تركيا وآسيا وفي المقابل ستتحول السوق المصرية إلى جنة للمستوردين حيث تغرق الشوارع بالواردات الاستفزازية رخيصة الثمن ليتسع عجز الميزان التجاري وينزف الاحتياطي النقدي بسرعة جنونية هروب الأموال وشلل الاستثمار في عالم المال لا شيء أسوأ من عدم اليقين المستثمر الأجنبي الذي ضخ أمواله في أذون الخزانة أو الأسهم بسعر صرف يتجاوز الخمسين واكتشف فجأة أن دولاراته تتبخر عند الخروج بسبب هبوط العملة سيقود هروبا عاصفا ومذعورا نحو الخارج ضاغطا بشدة على سيولة البنك المركزي أما الاستثمار الأجنبي المباشر الذي نبحث عنه لبناء المصانع وتشغيل العمالة فسيتجمد تماما فالمستثمر الاستراتيجي يبحث عن استقرار وقواعد واضحة للتسعير وتحويل الأرباح لا عن تقلبات عنيفة تحول السوق إلى كازينو عالي المخاطر الخاتمة العلاج لا يكون بالمسكنات الوهمية إن قوة العملة ليست رقما يتم فرضه بقرار بل هي مرآة حقيقية لقوة الاقتصاد والإنتاج والتصدير أن نحلم بقوة الجنيه فهذا حق مشروع لكن أن نتمناه مقلوبا هكذا بقسوة ودون سند إنتاجي حقيقي يشبه تماما إعطاء مريض في العناية المركزة حقنة مميتة تنهي آلامه بإطفاء حياته نهائيا الدولار ب ٢٠ جنيها ليس حلم الاستقرار الذي ننتظره بل هو الكابوس الذي يجب أن نعمل جاهدين كي لا يتحقق إلا عندما تصبح مصر مصنعا عملاقا ينافس العالم بإنتاجه لا بإرادة أرقامه





