لصوص الهامش كيف تحول شركات الملاحة العالمية ذعر الممرات إلى مناجم ذهب

لصوص الهامش كيف تحول شركات الملاحة العالمية ذعر الممرات إلى مناجم ذهب
بقلم إيهاب محمود
الخبير السياسي والاقتصادي
حين تطلق رصاصة واحدة في ممر بحري ضيق أو يعلن عن توتر عابر في بؤرة اشتعال إقليمية لا تكتفي أسواق المال بالتقاط الطعم بل تتحرك منظومة الملاحة العالمية كأخطبوط استثماري عملاق يمتلك مهارة فائقة في إعادة حساب الحقول والأرقام في عالم التجارة الدولية لا تحتاج الكارتلات الكبرى وشركات الملاحة العابرة للقارات إلى اختلاق الأزمات من العدم فالواقع الجيوسياسي المحتقن كفيل بتقديم المادة الخام مجانا لكن العبقرية الحقيقية لهذه الكيانات لا تكمن في صناعة الأزمة بل في هندسة الذعر وتحويله إلى أرباح قياسية غير مسبوقة تفرض على كاهل سلاسل الإمداد العالمية
تسعير المخاطر أم استغلال الفوضى
على الورق تبدو المعادلة مبررة ومفهومة فارتفاع مخاطر الحرب في ممرات استراتيجية كمضيق هرمز أو باب المندب يترتب عليه بالضرورة قفزات في أقساط التأمين البحري وتقديم حوافز ومخاطر لأطقم السفن وتحمل أعباء الالتفاف في طرق بديلة أطول استهلاكا للوقت والوقود
لكن القراءة الفاحصة للاقتصاد السياسي للنقل البحري تكشف عن فجوة هائلة بين التكلفة التشغيلية الفعلية للمخاطر والفاتورة النهائية للنولون التي تفرض على المستوردين والدول النامية إن شركات الشحن الكبرى لا تكتفي بنقل عبء المخاطر بل تستغل حالة اللايقين الإقليمي لتضخيم هوامش أرباحها بمعدلات فلكية تتجاوز بكثير أي زيادة حقيقية في تكاليف التشغيل
اقتصاد الاحتكار عندما تصبح الأزمة قاعدة سعرية دائمة
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الارتفاع المؤقت للأسعار بل في الاستيطان الهيكلي لهذا التسعير الاحتكاري فعندما تهدأ حدة التوترات مؤقتا أو تتراجع المخاطر المباشرة على الأرض ترفض شركات الملاحة العودة بالأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة وبدلا من ذلك ترسخ ثقافة تسعير جديدة تضمن استمرار تدفق الأرباح الضخمة مستفيدة من سيطرة تحالفات احتكارية ضخمة تتحكم في القدر الأكبر من أسطول الحاويات وناقلات البضائع والنفط في العالم
عبر خلق نقص مصطنع في السعة المتاحة أو إعادة توجيه السفن بطرق تعظم التكدس والموانئ المزدحمة تنجح هذه الشركات في إبقاء السوق تحت رحمة شروطها التعاقدية القاسية وكأنها تقول للعالم إن الأزمات تمر لكن أرباحنا يجب أن تبقى في قممها التاريخية
الخلاصة من يحاسب تجار الأزمات
إن ما تشهده حركة التجارة الدولية اليوم ليس مجرد انعكاس لتكلفة الجغرافيا السياسية بل هو نموذج صارخ لسطوة رأس المال الاحتكاري على أمن الشعوب الغذائي والاقتصادي التهديدات الأمنية في ممرات الطاقة والتجارة حقيقية وخطيرة لكن استثمار الذعر وتحويل أوجاع المنطقة إلى أرقام قياسية في حسابات شركات الملاحة هو الجريمة الاقتصادية الصامتة التي تدفع ثمنها أسواق الدول المستوردة والمستهلك النهائي وحده
إن بقاء سلاسل الإمداد رهينة في أيدي تجار الأزمات يفرض على الحكومات والمؤسسات الاقتصادية الدولية إعادة التفكير العاجل في استراتيجيات النقل الوطني وتأسيس شبكات حماية تجارية قادرة على كسر احتكار الهيمنة الملاحية قبل أن تتحول كل ومضة توتر إقليمي إلى فاتورة مفتوحة تلتهم ما تبقى من مقدرات التنمية





