المقالاتدينى

عيد النيروز.. حكاية وطن وذاكرة شهداء وبداية جديدة

عيد النيروز.. حكاية وطن وذاكرة شهداء وبداية جديدة

إيڤيلين موريس تكتب

تحل على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم مناسبة روحية تحمل في طياتها مزيجًا فريدًا من التاريخ والإيمان والرجاء إنه عيد النيروز، عيد الشهداء.

فالنيروز ليس مجرد احتفال ببداية عام جديد، ولا مجرد أوراق في تقويم ننتزعها الواحدة تلو الأخرى لنعلن انتهاء عام وبدء آخر، وإنما هو ذاكرة حية لأجيال من الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لتمسكهم بإيمانهم، وتركوا خلفهم شهادة لا تزال الكنيسة تحفظها جيلاً بعد جيل.

يرتبط التقويم القبطي بعصر الشهداء، الذي بدأ بصورة خاصة خلال اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس للمسيحيين، وهي الفترة التي شهدت استشهاد أعداد كبيرة من المصريين المسيحيين.

ومن هنا حمل التقويم القبطي اختصارًا رمزيًا هو «ش.»، أي سنة الشهداء، ليظل التاريخ نفسه شاهدًا على تضحياتهم.
وهكذا أصبح الأول من توت موعدًا لا تتجدد فيه السنة فقط، بل تتجدد فيه أيضًا ذاكرة الذين كتبوا بدمائهم صفحات من تاريخ الكنيسة والوطن.

يرتبط اسم «النيروز» ببداية السنة الزراعية المصرية، وقد ارتبط الاحتفال ببداية فيضان النيل وتجدد الحياة على أرض مصر.
وهنا تلتقي رمزية الطبيعة مع رمزية الإيمان؛ فكما كان النيل قديمًا رمزًا للحياة والتجدد، يأتي النيروز ليذكر الإنسان بأن بعد كل نهاية بداية، وبعد كل ضيق رجاء، وبعد كل ألم يمكن أن يولد نور جديد.

ولأن الكنيسة تنظر إلى شهدائها باعتبارهم نماذج للإيمان والثبات، فلهذا يتحول الحزن في ذكرى الشهداء إلى رجاء، وتتحول قصة الألم إلى قصة مجد.

ويرتبط عيد النيروز بعدد من الرموز الشعبية والكنسية الجميلة، ومن بينها سعف النخيل، الذي يحمل معاني الانتصار والثبات، كما ارتبطت بعض الفواكه الموسمية بالاحتفال، وعلى رأسها الجوافة.
وهذه الرموز البسيطة تحمل في داخلها معاني أعمق؛ فالشجرة التي تصمد أمام الرياح، والثمرة التي تحمل الخير، يمكن أن تصبحا تذكرة للإنسان بأن الإيمان الحقيقي يظهر في القدرة على الثبات والعطاء.

ربما تكون أجمل رسالة يحملها لنا النيروز اليوم هي أن بداية العام ليست مجرد تغيير رقم في التقويم.
إنها فرصة لنسأل أنفسنا
هل أصبحنا أكثر محبة؟
هل تعلمنا أن نسامح؟
هل تركنا خلفنا ما يؤلمنا؟
هل قدمنا للآخرين شيئًا من الخير الذي نرجوه لأنفسنا؟

فليس المهم كم سنة مرت من أعمارنا، وإنما ماذا تركنا في هذه السنوات من أثر طيب في حياة الآخرين.
وقد يأتي عام جديد، بينما يحمل الإنسان بداخله نفس الغضب، ونفس الخصام، ونفس الأحزان القديمة.

لكن النيروز يدعونا إلى أن نبدأ من جديد، وأن نترك للقلوب فرصة لكي تتنفس، وللروح فرصة لكي تستريح، وللمحبة فرصة لكي تنتصر،ونفتح عامًا جديدًا، لا لنعد الأيام فقط، وإنما لنمنح حياتنا معنى أجمل.

فلنجعل النيروز بداية للتسامح، وبداية للمحبة، وبداية لكل شيء جميل تأخرنا في فعله.

كل عام وأنتم بخير..
وكل عام ومصر في سلام،
وكل عام والنور يملأ قلوبنا وحياتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى