المقالات

سناب شات الألقاب .. عندما يصبح للفراغ لقب!

سناب شات الألقاب .. عندما يصبح للفراغ لقب!

كتب م. إميل ن. عجبان
تحليل سوق الشهادات المزيفة والألقاب الفخرية الوهمية
مقال رأي ساخر وتحليلي — نص عام يستند إلى ظاهرة حقيقية

لم يعد بعض الناس يكتفون بأن يكونوا أشخاصاً عاديين. العادي، في زمن الهوس بالمظاهر، يحتاج إلى ترقية عاجلة. ولذلك يبدأ مشروع صناعة الذات من اللقب: دكتور، سفير، مستشار، خبير، مفوض، رئيس فخري، مدير دولي، ناشط حقوق إنسان، أو أي كلمة أخرى تصلح لأن تُكتب قبل الاسم وتمنح صاحبها نصف هيبة لا يعرف كيف حصل عليها.
المهم ليس ماذا فعل، بل ماذا يمكن أن يسبق اسمه. أما السيرة المهنية، فلتأتِ لاحقاً إن وجدت؛ وإن لم توجد، فهناك دائماً لقب جديد يمكن شراؤه، ودرع يمكن تصويره، وشهادة يمكن تعليقها في المكان المناسب، بحيث يبدو الفراغ من بعيد كأنه إنجاز.وهكذا نشأ سوق كامل لا يبيع المعرفة، بل يبيع الانطباع عنها. لا يبيع الخبرة، بل يبيع طريقة تقديم صاحبها أمام الآخرين.
عندما يصبح الوهم صناعة عالمية: هذا السوق ليس مجرد ظاهرة محلية أو نكتة اجتماعية عابرة. إنه صناعة عالمية تُقدر إيراداتها السنوية من «مصانع الدبلومات» وحدها بنحو سبعة مليارات دولار، بينما يصل النظام البيئي الأوسع للاحتيال الأكاديمي — بما فيه الشهادات المزيفة وكتابة الرسائل بالوكالة ومصانع الأوراق البحثية — إلى حوالي واحد وعشرين مليار دولار. شركات مثل Axact الباكستانية باعت وحدها أكثر من ثمانية ملايين شهادة مزيفة في نحو مئة وتسعين دولة. الأسعار العالمية تتراوح بين بضع مئات من الدولارات لشهادة بسيطة، وتصل إلى عشرات الآلاف للشهادات المهنية الحساسة.

ولأن السوق يعرف أن الزبائن ليسوا سواءً في طموحهم إلى الوهم، فقد ابتكر شرائح سعرية للألقاب. هناك باقة اقتصادية تمنحك عضوية فخرية ولقب «مستشار» مع شهادة قابلة للتعليق فوق المكتب. ثم تأتي الباقة الفضية: «دكتور» أو «خبير دولي»، مرفقة بدرع وصورة احتفالية وعبارة تصلح للنشر. أما الباقة الذهبية فتضم «سفيراً للنوايا الحسنة» أو «مفوضاً دولياً» أو «رئيساً فخرياً»، مع مقعد قريب من المنصة وتصفيق مضمون عند استلام اللقب. وفي القمة توجد الباقة البلاتينية: ألقاب متعددة في بطاقة واحدة، وبيان صحفي، وعضوية في مجلس لا يعرف أحد أين يجتمع، وربما خريطة صغيرة توحي بأن صاحبها يحكم نصف العالم.
كلما ارتفع سعر اللقب، اتسعت المسافة بين الاسم والحقيقة. اللقب الرخيص يرفع الحاجب، واللقب المتوسط يفرض الصمت، أما اللقب الفاخر فيطالب الناس بالوقوف عند دخوله. وهكذا لا يعود المشتري معنياً بما إذا كان اللقب يعكس اختصاصاً حقيقياً؛ يكفيه أن يعرف أن النسخة الأعلى سعراً ستمنحه صورة أكبر، وختمًا أعرض، ومساحة إضافية في بطاقة التعريف. إنها تجارة تجميل للفراغ: يشتري الشخص لقباً، ثم يشتري لقباً فوقه، حتى تتحول سيرته إلى قائمة أسعار تمشي على قدمين.

دكتوراه بـ500 جنيه… وألقاب عالمية على المقاس في سوقنا المحلي
في زمنٍ صار فيه اللقب يُعلَّق قبل أن يُكتسب، لم تعد كلمة «دكتور» دائمًا علامةً كافية على علمٍ راسخ أو مسارٍ أكاديمي واضح.تتردد إعلانات عن ألقاب وشهادات تُمنح بمبالغ زهيدة، وعن «دكتوراه» تُختصر في ورقة أو عضوية أو لقبٍ رنّان. وإذا صحّت هذه الإعلانات، فالمسألة ليست نكتةً عابرة ولا خلافًا على لقب؛ إنها سؤال عن قيمة العلم، وحق الناس في أن يعرفوا حقيقة ما يُعرض عليهم.
فالدكتوراه الأكاديمية ليست زينةً تُضاف إلى بطاقة التعريف، ولا جائزةَ مجاملة. إنها بحثٌ ممتد، وإشرافٌ ومناقشة، ومؤسسةٌ معترف بها، ومسؤوليةٌ عن المعرفة التي يعلن صاحبها أنه يحملها. أما الشهادة المهنية أو الفخرية، إن كانت مشروعة وواضحة، فلها اسمها وحدودها. الخلط بين هذه المسارات هو الباب الذي تدخل منه الألقاب الملتبسة: يقرأ الجمهور كلمة «دكتور»، ولا يرى ما وراءها من جهة مانحة أو اعتماد أو تخصص.
ثم يطلّ علينا لقبٌ آخر لا يقل بريقًا: «سفير السلام العالمي». لقبٌ يبدو كأنه يمنح صاحبه صفةً دولية، لكنه قد يكون—بحسب الجهة التي أصدرته وطبيعته—مجرد تكريم أو عضوية في كيان خاص، لا منصبًا دبلوماسيًا ولا تفويضًا صادرًا عن دولة أو منظمة دولية. وبجواره قد يظهر لقب «سفير حقوق الإنسان»، حتى حين لا يكون حامله قد التحق بجامعة. وهنا يجب أن يكون النقد دقيقًا: عدم دخول الجامعة لا يمنع إنسانًا من الدفاع عن الحقوق أو خدمة الناس؛ فالمواقف والعمل والخبرة قد تكون لها قيمة حقيقية. لكن ذلك لا يجعل لقبًا صادرًا عن جهة خاصة منصبًا رسميًا، ولا يثبت وحده وجود تفويض من منظمة دولية. الفارق كبير بين ناشطٍ يعلن عن نفسه بصدق، وبين لقبٍ يوحي بصفة رسمية أو اعتماد دولي لا تستطيع الجهة إثبانه.
في السوق المحلي، تتراوح أسعار رسائل الماجستير المكتوبة بالوكالة حول ثلاثين ألف جنيه، والدكتوراه نحو مئة ألف جنيه أو أكثر، بينما تُباع الشهادات الجاهزة والألقاب الفخرية بأثمان أرخص بكثير، وأحياناً بمئات الجنيهات فقط. الصفحات على فيسبوك وإنستغرام تروج لـ«دكتوراه فخرية» و«سفير نوايا حسنة» و«مستشار تحكيم دولي» و«خبير حقوق إنسان»، مع حفلات تكريم في قاعات فنادق ودرع وصورة وبيان صحفي. الأجهزة الأمنية تضبط بانتظام كيانات وصفحات تمارس هذا النشاط، لكن العرض يستمر لأن الطلب مرتفع والتحقق ضعيف.
ولا علاقة لذلك بالانتقاص من خريج أي تخصص. الشهادة لا تحدد وحدها قيمة الإنسان. موضع النقد هو أن يُقدَّم لقبٌ صادر عن جهة غير واضحة أو غير معترف بها وكأنه اعتماد رسمي أو مكانة دولية، وأن تتحول كلمة «عالمي» إلى زينةٍ تُباع لمن يبحث عن الوجاهة. السلام وحقوق الإنسان أفعالٌ ومواقف ومسؤولية؛ لا تصنعها شارةٌ ولا تثبتها صورةٌ بجوار علم.

والأشد سخرية أن بعض الزبائن لا يشترون لقباً واحداً، بل يشترون «حزمة مكانة» كاملة: دكتور في الصباح،سفير في الظهيرة، مستشار بعد الظهر، وخبير حقوق إنسان عند المساء. فإذا سُئل عن إنجازه، قدّم الفاتورة؛ وإذا سُئل عن اختصاصه، أشار إلى الدرع؛ وإذا سُئل عن الجهة التي منحته كل ذلك، قال إن التفاصيل «دولية» ولا يفهمها إلا أصحاب المقامات. وفي هذا السوق، يبدو أن العلم لا يُقاس بعدد الصفحات، بل بعدد الألقاب التي يمكن حشرها قبل الاسم.
أما اللقب، فيأتي في طبقات. يبدأ بـ«مستشار»، ثم يتطور إلى «مستشار دولي»، ثم يترقى إلى «مفوض دولي»،ثم يجد نفسه ذات صباح «سفيراً للنوايا الحسنة». وبعد قليل يصبح «رئيساً للمجلس العالمي للخبراء»، مع أن المجلس لا يملك مقراً، ولا أعضاء معروفين، ولا نشاطاً يتجاوز نشر الصور. لكنه يملك اسماً طويلاً يكفي لإرهاق أي شخص يحاول التحقق منه. إنها صناعة تقوم على قاعدة بسيطة: كلما اتسع اللقب، ضاق السؤال عن صاحبه.

لماذا يزدهر هذا السوق؟ الدوافع واضحة ومتشابكة. أولاً، هوس الألقاب والوجاهة الاجتماعية: الرغبة في كتابة «د.» أو «سفير» قبل الاسم تمنح مكانة فورية في المجتمع والعمل والإعلام. ثانياً، سهولة الوصول عبر الإنترنت والسوشيال ميديا التي ألغت الحاجة إلى بنى تحتية حقيقية. ثالثاً، ضعف ثقافة التحقق: كثير من الجمهور والإعلام والمؤسسات لا يطلبون إثباتاً رسمياً من المجلس الأعلى للجامعات أو الجهات المختصة.رابعاً، فجوات قانونية تسمح للكيانات الخاصة بتقديم «شهادات تقديرية» يصعب تكييفها أحياناً كتزوير مادي مباشر، فتُلاحق في الغالب تحت بند النصب.

يظهر صاحب الألقاب في بيئة العمل كأنه يحمل معه مجلس إدارة متنقلاً. على بطاقة واحدة تجد: دكتور،مستشار، سفير، خبير، رئيس فخري، ومفوض عام. ينقصه فقط لقب «المدير التنفيذي للكون»، لكن ربما تكون الشهادة قيد الطباعة. يدخل الاجتماع ببطءٍ محسوب، يجلس في المكان الأقرب إلى الكاميرا، ثم يبدأ في توزيع الملاحظات على أشخاص قضوا سنوات في العمل الذي يشرحه لهم خلال سبع دقائق.
أما زملاؤه الحقيقيون، فيستقبلونه بابتسامة بروتوكولية تشبه ابتسامة موظف المطار أمام مسافر يحمل سبع حقائب ولا يعرف أين ذاهب. يقول أحدهم: «أهلاً بالسفير الدكتور»، ثم يعود إلى شاشة الحاسوب ليتأكد أن المشروع لم يتوقف احتراماً للمقام. ويهمس آخر لزميله: «هل نكتب اسمه في قائمة الحضور أم في قائمة الألقاب؟» بينما يتولى ثالث مهمة أكثر صعوبة: البحث عن إنجاز واحد له علاقة بكل هذه الصفات.
في الاجتماع، يصمت أصحاب الخبرة احتراماً للوقت، لا للقب. يتركونه ينهي خطبته عن «الرؤية الاستراتيجية»،ثم يسألونه سؤالاً صغيراً يهبط على الطاولة كحجر: «من سينفذ؟ وما الميزانية؟ وما الجدول الزمني؟». عندها يتغير لون المصطلحات، وتتراجع الدبلوماسية، ويبدأ السفير الدكتور في البحث عن مخرج بروتوكولي. فإذا أصروا على التفاصيل اتهمهم بأنهم «يفكرون بعقلية تقليدية»، مع أن كل ما طلبوه منه كان رقماً وتاريخاً ومسؤولية.
ومع مرور الوقت، يتعلم الزملاء التعامل معه كما يتعامل المرء مع لوحة إعلانية مرتفعة: لا يجادلها، ولا يصدقها، ويتأكد فقط من ألا تسقط فوق المشروع. ينادونه بلقبه أمامه حفاظاً على الهدوء، وينادونه باسمه في محضر الإنجاز حفاظاً على الحقيقة. وعندما يطلب أن يُذكر في مقدمة التقرير، يضيفون اسمه في خانة «الحضور»، وهي الخانة الوحيدة التي يستطيع إثباتها دون الاستعانة بشهادة أخرى.
لكن جرّب، ولو سهواً، أن تناديه باسمه مجرداً من البضاعة التي اشتراها قبله. قل له «يا أستاذ» بدلاً من «السفير الدكتور»، وسترى اللقب ينتفض قبل صاحبه. يتوقف عن تقليب الأوراق، يرفع رأسه كما لو أن بروتوكولاً دولياً انهار فجأة، ويسأل بنبرة تجمع بين الدهشة والشكوى: «ألم يصلكم التحديث؟». ثم يشرح أن حذف اللقب ليس اختصاراً لغوياً، بل انتهاك لمكانة رفيعة. وقد يرسل بعد الاجتماع رسالة تذكير جماعية بعنوان: «ضرورة الالتزام بالألقاب الرسمية»، يرفق بها صورة الشهادة، وصورة الدرع، وصورة له وهو يتسلم الصورة.

صاحب اللقب المبيع لا يسرق العمل مباشرة؛ يسرق روايته. يأخذ فكرة المرؤوس، يضع عليها كلمتين من قاموس الإدارة، ثم يعرضها على الإدارة العليا بوصفها «مبادرة استراتيجية». يأخذ بحثاً أعده باحثون، يضيف إليه مقدمة طويلة عن رؤيته، ثم يظهر في المؤتمر وكأنه اكتشف الموضوع قبل أن يولد أصحابه. يأخذ نجاح المؤسسة، يضعه في سيرته الذاتية، ويترك للذين صنعوه مهمة العودة إلى مكاتبهم من دون صورة.
وفي الأكاديميا، تصبح الألقاب أحياناً ستاراً كثيفاً يخفي سؤالاً بسيطاً: من أجرى البحث؟ من جمع البيانات؟ من كتب؟ من راجع؟ ومن ظهر في الصورة؟ هناك من يريد أن يكون اسمه في مقدمة كل شيء، حتى لو كان دوره الوحيد أنه يملك المكتب أو يملك سلطة التوقيع. يترك للطلاب والباحثين عناء التجربة، ثم يضع اسمه في مكان يجعل القارئ يظن أن العلم خرج من مكتبه كما يخرج القرار الإداري.

وتظهر خطورة هذا الخلط حين تصل الألقاب إلى الإعلام والانتخابات والرعاية… والآثار المدمرة، حين تُستدعى الألقاب إلى الإعلام والصحافة، أو إلى مجالس الوجاهة، أو إلى حفلات إعداد المرشحين وتلميعهم للانتخابات المحلية. قد يُقدَّم شخصٌ بصفته خبيرًا أو صاحب رأيٍ حاسم، لا لأن الجمهور فحص إنتاجه وخبرته، بل لأن اللقب يلمع تحت الأضواء. وقد يتحول إعداد المرشح من نقاشٍ جاد حول برنامجه وخدمته العامة إلى صناعة صورة: كلماتٌ محسوبة، ومصافحاتٌ مصوّرة، ووعودٌ تُلمَّع أكثر مما تُختبر.

لكن الإنصاف واجب: ليس كل صحفيٍّ طالبَ شهرة، ولا كل من يعمل في الإعلام يبيع الوهم، ولا كل من يشارك في إعداد مرشحٍ يضلل الناس. النقد هنا موجَّه إلى الممارسة حين تستبدل الكفاءة باللقب، والمعلومة بالدعاية، ومحاسبة صاحب القرار بحفل العلاقات العامة. فالمنصب المحلي ليس ديكورًا، والناس لا تحتاج إلى صورةٍ أجمل للمرشح بقدر حاجتها إلى برنامجٍ قابل للمساءلة.
وفي الصحة النفسية، يصبح السؤال أكثر حساسية. قد يتداول الناس أرقامًا مثل «جلسة بخمسين جنيهًا» على سبيل الشكوى أو المقارنة، لكن السعر وحده لا يثبت كفاءة المعالج ولا ينفيها؛ فالرسوم قد تختلف بحسب المكان والظروف. المعيار الحقيقي هو التأهيل المهني، والترخيص حيث يلزم، وحدود الاختصاص، والسرية، وأمان المراجع. فالإنسان الذي يذهب طلبًا للمساعدة لا ينبغي أن يُترك ليتحقق وحده من لقبٍ غامض أو إعلانٍ براق. وحين تُباع الثقة بلا وضوح، قد تكون الخسارة أكبر من المال: تأخيرٌ في طلب الرعاية المناسبة، أو أذىً لشخصٍ جاء مثقلًا بما يكفي.
الآثار أوسع من ذلك: إضعاف قيمة العلم الحقيقي، حيث يقضي الباحثون سنوات بينما يحصل آخرون على اللقب في أيام؛ مخاطر مهنية واجتماعية خاصة في الاستشارات والإعلام والترشيح؛ تآكل الثقة العامة في الألقاب الأكاديمية؛ وتمكين الاحتيال حيث يصبح اللقب أداة لإسكات النقد أو سرقة الفضل أو جذب العملاء.

المفارقة أن صاحب اللقب المبيع لا يريد أن يبدو ناجحاً فقط؛ يريد أن يجعل الآخرين يشعرون بأنهم أقل منه.يستخدم اللقب لإسكات الموظف، وإرباك الباحث، وإخافة من يطلب الدليل. يقول «أنا دكتور» لا ليجيب عن سؤال علمي، بل لينهي السؤال. ويقول «أنا سفير» لا لأنه يمثل دولة أو قضية، بل لأن الكلمة تمنحه مسافة مصطنعة عن الناس. ويقول «أنا خبير حقوق إنسان» بينما لا يحتمل حق الآخرين في الاعتراض عليه.
هنا يتحول اللقب من تعريف إلى سلاح. لا يعود وسيلة لوصف الاختصاص، بل أداة لاحتكار الحديث، ومصادرة الفضل، وفرض الطاعة. يصبح المطلوب من الآخرين ألا يناقشوا الفكرة، بل أن يحترموا صاحبها؛ وألا يراجعوا العمل، بل أن يصفقوا لمن وضع اسمه عليه. لكن الألقاب، مهما تكاثرت، لا تنتج أثراً. يمكن للرجل أن يحمل دكتوراه وسفارة واستشارة ورئاسة فخرية في بطاقة واحدة، ثم يعجز عن الإجابة عن سؤال واحد خارج النص المحفوظ. فالكثرة ليست دليلاً على القيمة؛ أحياناً تكون دليلاً على أن صاحبها يطارد الاعتراف من نافذة إلى أخرى.

المواجهة القانونية والمجتمعية في مصر، يوفر قانون العقوبات أدوات للملاحقة: المادتان 155 و157 تعاقبان على انتحال الصفة أو لقب الشرف، والمادة 336 على النصب. وقانون تنظيم الجامعات يحصر منح الدرجات الأكاديمية والفخرية في الجامعات المعترف بها. ووزارة التعليم العالي والداخلية تبذلان جهوداً في إغلاق كيانات وهمية ووضع قوائم سوداء. لكن الدعوات مستمرة لتشديد العقوبات، وإلزام وسائل الإعلام بالتحقق قبل تقديم أي شخص بلقب، وتجريم استخدام الألقاب المحمية (دكتور، سفير، مستشار…) من غير الجهات الرسمية، ونشر أنظمة تحقق رقمية سهلة للجمهور.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بالسخرية وحدها، وإن كانت السخرية تكشف القناع بسرعة. تبدأ بالتحقق من المؤهلات، وطلب تعريف واضح للمنصب، وتوثيق مساهمات العاملين، وذكر أصحاب الجهد الحقيقيين، وعدم السماح لأي لقب بأن يتحول إلى حصانة ضد السؤال. في العمل الجاد، لا يكفي أن تقول إنك خبير؛ عليك أن تقدم ما يثبت خبرتك. ولا يكفي أن تقول إنك قائد؛ عليك أن تتحمل مسؤولية القرار. ولا يكفي أن تحمل درعاً؛ عليك أن تترك أثراً يستحقه.

الحل ليس في مطاردة الألقاب ولا في التشهير، بل في قواعد بسيطة وواضحة: أن يُكتب اسم الجهة المانحة ونوع الشهادة كما هما، وأن يُتاح التحقق من الاعتماد، وأن تلتزم الوسائل الإعلامية بالتعريف الدقيق بالضيوف،وأن تُحاسَب الإعلانات المضللة، وأن يعرف طالب الخدمة مؤهلات من يقدّمها. وعلى الجمهور أن يسأل بهدوء: ما التخصص؟ من منح الشهادة؟ هل هي أكاديمية أم مهنية أم فخرية؟ هل الجهة معترف بها؟ وهل يملك صاحبها الترخيص والخبرة اللازمين لما يقدّمه؟
أما المجتمع الذي يصفق للقب قبل أن يسأل عن صاحبه، فيشارك—من حيث لا يدري—في رفع سعر الوهم.فالدكتوراه لا تُقاس بما كُتب على بطاقةٍ أو لافتة، والوجاهة لا تصنع كفاءة، وتلميع المرشح لا يحوّله إلى خادمٍ للصالح العام.

أما السؤال الأخير يتمركز فىإن مأساة سوق الألقاب المباعة ليست أن بعض الناس يشترون ورقة، بل أنهم يشترون وهماً كاملاً ثم يطالبون المجتمع بتمويله بالاحترام. يلبسون اللقب فوق فراغهم، ويضعون الشهادة فوق سيرتهم، ويطلبون من الآخرين أن يروا الإطار لا اللوحة. السوق قائم على معادلة بسيطة: طلب مرتفع على الاعتراف السريع + عرض رخيص وسهل + ضعف التحقق = ربح مضمون. وهو ليس مجرد نكتة اجتماعية، بل صناعة تضر بالرأسمال البشري والثقة المؤسسية.

وفي النهاية، لا تسقط الألقاب لأن أحداً مزقها، بل لأنها تصطدم بالواقع. هناك، حيث لا تنفع الصورة، ولا الدرع، ولا كلمة «دولي»، ولا عبارة «فخري»، لا يبقى أمام صاحب الألقاب إلا السؤال الذي يختصر كل هذا السوق:
أيُّ لقبٍ يبقى لك حين نطرح جانباً كل ما اشتريته، وكل ما نسبته إلى نفسك، وكل ما صنعه الآخرون؟

المشكلة ليست أن لقبًا يُباع بخمسمئة جنيه، أو أن شهادةً تُزيّنها عبارة «سفير السلام» أو «سفير حقوق الإنسان»؛
المشكلة أن هناك من قد يشتري اللقب، ومن يروّج له، ومن يسلّم له الميكروفون، ثم يطلب من الناس أن تثق فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى