زلزال 23 يوليو: عندما تكلم الأحرار فاستردت مصر روحها وكرامتها

كتبت/ امل أبوالعلا
فى تاريخ الأمم والشعوب، هناك لحظات فاصلة تتقاطع فيها الأقدار لتصنع معالم التغيير الكبرى، فتتكسر على صخرتها قيود الماضي، وتُولد من رحم المعاناة فجر أمة جديدة. وتأتي ثورة 23 يوليو 1952 في طليعة هذه المحطات الخالدة؛ إذ لم تكن مجرد انقلاب عسكري عابر في دفاتر التاريخ، بل كانت انفجاراً هائلاً لكرامة شعب طال ليل احتلاله واستبداده، وانبعاثاً جباراً لإرادة المصريين في تقرير مصيرهم وبناء وطنهم بأيديهم الطاهرة.
الواقع المرير: الإرث الثقيل ونداء الحتمية التاريخية
لم تكن مصر قبل يوليو بمعزل عن آلام جماهيرها؛ بل كان المشهد الوطني مترعاً بالظلم والقهر. كان الاحتلال الأجنبي جاثماً على الأنفاس، والإقطاع البغيض يمتص عرق الفلاحين ودمائهم، والتبعية السياسية والاقتصادية تكبل طاقات بلد كان في يوم من الأيام سيد قراره. الفقر والمرض والجهل كانت أوسمة على صدر مجتمع طبقي متخم بالفساد، والتحالف البغيض بين الاستعمار والقصر أفرغ الحياة الحزبية من مضمونها الوطني.
وفي تلك اللحظة الحالكة، وحين بلغ السيل الزبا، تحرك أحرار القوات المسلحة بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ورفاقه الأبرار في تنظيم “الضباط الأحرار”، لتلبي القوات المسلحة نداء الشعب وتطلعاته المشروعة في التغيير الشامل.
ملحمة التغيير وززلال الهدم والبناء
لم تقتصر ثورة يوليو على تغيير رأس السلطة أو تبديل الوجوه، بل أحدثت زلزالاً هيكلياً وتاريخياً في بنية المجتمع المصري، أعادت به رسم خريطة الوطن من جديـد:
القضاء على الإقطاع: عبر إصدار تشريعات الإصلاح الزراعي التاريخية التي حطمت جبروت كبار الملاك، وأعادت الأرض إلى أصحابها الحقيقيين (الفلاح المصري البسيط)، لترفع عن كاهله عقوداً من القهر والاستعباد والتبعية.
جلاء المحتل الأجنبي: بإرادة وطنية صلبة لا تلين، نجحت الثورة في توقيع اتفاقية الجلاء، ليرحل آخر جندي بريطاني عن أرض الوطن في 18 يونيو 1954، وتسترد مصر سيادتها الكاملة على أرضها وترابها بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن من الاحتلال البغيض.
بناء القاعدة الصناعية والعملاقة: أطلقت الثورة مشروعات التنمية الكبرى، وفي مقدمتها بناء “السد العالي” الذي حمى مصر من الفيضانات والجفاف وأمن طاقاتها، إلى جانب تأسيس المصانع الثقيلة التي أرست دعائم الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي وتوفير التعليم المجاني لكل أبناء الشعب.
تأميم قناة السويس: في خطوة جريئة هزت أركان الإمبراطوريات الاستعمارية، استردت مصر قناة السويس لتكون عائداتها مصدراً لبناء مصر الحديثة وتمويل مشروعاتها الكبرى، ولتثبت مصر أن إرادة الشعوب أبقى وأقوى من البوارج والأساطير الحربية.
قلعة التحرر العربي والإفريقي
لم تقف ثورة يوليو عند حدود جغرافية الوطن، بل تجاوزتها لتصبح درعاً وسنداً لكل الحركات التحررية في قارة أفريقيا والعالم العربي وآسيا. رفعت الثورة راية القومية العربية عالية خفاقة، وأصبحت القاهرة صوتاً لمن لا صوت لهم، وملاذاً ومقراً لكل ثائر يبحث عن الحرية والاستقلال. لقد غيرت يوليو خريطة السياسة العالمية، وأسست لمبدأ “عدم الانحياز” مع الزعماء الكبار أمثال نهرو وتيتو، لتثبت مصر حضورها الفاعل والقيادي على مسرح الأحداث الدولي.
استدعاء روح يوليو في حاضرنا
إن استدعاء روح 23 يوليو اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد وقفة عند حدود الذكريات الخوالي، بل هو استلهام واعي لقيمها الأساسية التي لا تبلى: الاستقلال الوطني، العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والانحياز المطلق لطبقات الشعب الكادحة. إنها دعامة صلبة تؤكد في كل حين أن الشعب المصري، حين يتوحد خلف إرادته الوطنية وقواته المسلحة الباسلة، قادر قطعاً على صنع المعجزات وقهر المستحيل.
رحم الله أبطال يوليو الأبرار وزعيمها الملهم جمال عبد الناصر، وتحيا مصر حرةً، آمنةً، وقويةً بأبنائها الأوفياء وجيشها العظيم.





