المقالات

عندما ترفض بطولة روايتك وتقبل أن تكون كومبارس في رواياتهم؟

عندما ترفض بطولة روايتك وتقبل أن تكون كومبارس في رواياتهم؟

م. إميل ن عجبان يكتب:

إن الحقيقة المرعبة التي يرفض الكثيرون مواجهتها هي أن معظم البشر يلفظون أنفاسهم الأخيرة إبداعياً وروحياً في سن الخامسة والعشرين، لكنهم يظلون عالقين في أجسادهم يمارسون طقوس الحياة الآلية حتى يُدفنوا في الثمانين. هنا يبرز السؤال الوجودي الصادم: أين ذهبت تلك السنوات الخمس وخمسون؟ هل توقفت آلة الزمن عن الدوران؟ الحقيقة هي أن آلة الزمن لم تتوقف، بل الذي توقف هو “إرادة الاختيار”. إن الفرق بين الوفاة الحقيقية والوفاة البيولوجية هو الفراغ الذي يملؤه الخوف من اتخاذ قرار، ذلك الفراغ الذي يتحول فيه الإنسان من بطل في روايته الخاصة إلى مجرد “كومبارس” في روايات الآخرين. إن الحياة لا تقاس بعدد الأنفاس، بل بتلك اللحظات التي نقرر فيها أن نكون، أو لا نكون، تلك اللحظات التي ننتزع فيها مقود حياتنا من يد الصدفة لنقودها نحن نحو مصير نصنعه بوعينا الكامل.

تأمل معي ذلك الفارق الشاسع الذي صنعه قرار واحد في حياة “جيف بيزوس”. لقد كان يمتلك كل مقومات الاستقرار في وول ستريت، لكنه أدرك أن البقاء هناك يعني الموت البطيء في سجن الروتين. قرر أن يملأ الفراغ بين الخامسة والعشرين والثمانين بمغامرة كبرى، فكان قراره بترك الوظيفة وتأسيس “أمازون” هو المحرك الذي أعاد تشغيل آلة الزمن لتعمل لصالحه لا ضده. لم يكن بيزوس يهرب من العمل، بل كان يهرب من “العدم”. وبالمثل، نجد “ستيف جوبز” الذي رفض أن يسير في المسار التعليمي التقليدي، واتخذ قراراً بالانسحاب ليتبع شغفه بالتصميم والخطوط، وهو القرار الذي بدا وقتها انتحاراً أكاديمياً، لكنه كان في الحقيقة ولادة لعملاق تكنولوجي (شركة آبل) غير وجه العالم. هؤلاء لم ينتظروا أن تدفعهم الظروف، بل هم من دفعوا الظروف نحو الهاوية ليصنعوا من حطامها قممهم الخاصة.

وفي عالم المستطيل الأخضر، حيث تُكتب الأساطير بالعرق والدموع، نجد قرارات غيرت مصير دول وليس فقط أفراد. انظر إلى “كريستيانو رونالدو”؛ في سن الثانية عشرة، وقف هذا الطفل النحيل أمام قرار يمزق القلب: الرحيل وحيداً من جزيرة ماديرا إلى لشبونة لمطاردة حلمه، تاركاً دفء العائلة لمواجهة تنمر الأقران وقسوة الغربة. كان قراره بالصمود والتدريب الجنوني هو الذي صنع “الماكينة” التي لا تهدأ، محولاً آلة الزمن إلى سباق مع الذات نحو الخلود. وبالمثل، يقف “ديدييه دروجبا” كنموذج للقرار الذي يتجاوز الرياضة؛ ففي لحظة اشتعال الحرب الأهلية في بلاده ساحل العاج، اتخذ قراراً شجاعاً بالخروج على الهواء مباشرة بعد التأهل لكأس العالم، جاثياً على ركبتيه ليتوسل للمتقاتلين وضع السلاح. هذا القرار لم يمنحه مجداً كروياً فحسب، بل منحه مكانة “صانع السلام” الذي أوقف نزيف الدماء بكلمة واحدة نابعة من قلب شجاع. ولا ننسى “جيمي فاردي”، الذي كان يعمل في مصنع للجبائر الطبية حتى سن الخامسة والعشرين، لكنه اتخذ قراراً بالاستمرار في اللعب في دوريات الهواة رغم الإحباط، ليقود “ليستر سيتي” في معجزة كروية لم تتكرر، مثبتاً أن آلة الزمن يمكن أن تبدأ دورانها الحقيقي في أي لحظة تقرر فيها أنت ذلك.

وفي قلب مصر، نجد نماذج حية أبت أن تُدفن وهي على قيد الحياة. انظر إلى العالم الجليل “أحمد زويل”؛ هل كان لزويل أن يصبح أيقونة العلم لو أنه استسلم لبيروقراطية الواقع؟ لقد اتخذ قراراً مصيرياً بالارتحال خلف العلم، وبذل جهداً يفوق طاقة البشر ليقتنص “الفيمتو ثانية”. وكذلك السير “مجدي يعقوب”، الذي اتخذ قراراً “خرافياً” بالعودة إلى أسوان ليؤسس مركزاً عالمياً يعالج القلوب المنكسرة مجاناً. هذا القرار هو الذي جعل الفرق بين الخامسة والعشرين والثمانين في حياته مليئاً بآلاف النبضات التي عادت للحياة بفضله. الفن أيضاً كان شاهداً على ذلك، فمن “كوكب الشرق” أم كلثوم وقرارها بالتحول للمؤسسية، إلى “الزعيم” عادل إمام وقراره بمواجهة الإرهاب بالفن، وصولاً إلى “الهضبة” عمرو دياب وقراره الدائم بالتمرد على نفسه ليظل شاباً في فنه؛ كلهم أدركوا أن الحياة هي سلسلة من القرارات الشجاعة.

لكن العائق الأكبر الذي يجعل الإنسان يموت في الخامسة والعشرين هو ذلك الوحش الكامن في الأعماق: “الخوف النفسي”. إن الخوف ليس عدواً خارجياً، بل هو صدى لغريزة البقاء التي تحاول إقناعك بأن أي تغيير هو خطر مميت. لكي تتغلب على هذا الخوف عند اتخاذ قرار مصيري، عليك أولاً أن تدرك أن “الأمان” هو أكبر خدعة في التاريخ؛ فلا يوجد مكان آمن سوى القبر. التغلب على الخوف يبدأ بـ “تفكيك المجهول”؛ قم بكتابة أسوأ سيناريو ممكن إذا فشل قرارك، ستكتشف غالباً أنك تستطيع التعايش معه، وأن تكلفة “عدم الفعل” هي الأفدح. حوّل الخوف من “معطل” إلى “بوصلة”؛ فإذا كان القرار يخيفك، فهذا يعني أنه كبير بما يكفي ليغير حياتك. الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي الإدراك بأن هناك شيئاً ما أكثر أهمية من الخوف، وهو حقك في أن تعيش حياة حقيقية تليق بك.

يا صديقي، إن آلة الزمن لا تتوقف، لكنك أنت من يملك مفتاح تشغيلها لتقودك نحو العظمة أو تتركها تطحن أيامك في رحى التكرار. الفرق بين الخامسة والعشرين والثمانين هو المساحة التي تزرع فيها قراراتك؛ فإما أن تحولها إلى حديقة غناء من الإنجازات، أو تتركها أرضاً بوراً تنتظر الدفن. أنت الآن أمام قرار قد يبدو صغيراً، لكنه يحمل في طياته مستقبل أمم ونجاحات لا تتخيلها. لا تكن ممن يموتون مبكراً ويُدفنون متأخراً؛ استيقظ، واجه خوفك النفسي، اتخذ قرارك الجريء الآن، واجعل العالم يتساءل: كيف استطاع هذا الإنسان أن يهزم الزمن ويحول كل لحظة في حياته إلى أسطورة لا تموت؟ انطلق، فالتاريخ لا يكتبه إلا أصحاب القرارات الشجاعة الذين رفضوا أن يكونوا مجرد أرقام في سجلات الموتى الأحياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى