المقالات

رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم (2)

رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم (2)

لواء دكتور/ سمير فرج

 

بدأت في مقال الأسبوع الماضي استعراض جزء من كتاب “رجل الأقدار” الذي أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذي يوثق مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أهم اللحظات الفارقة في تاريخ مصر. وقد تكفلت في هذا الكتاب بتوثيق مسيرته العسكرية، واستعرضت في المقال السابق التحاقه بالمدرسة الثانوية العسكرية في أول دفعة لها في تاريخ مصر، ثم انتقاله إلى الكلية الحربية ضمن الدفعة 69 حربية في سبتمبر عام 1974.

 

وفي صباح الأول من أبريل عام 1977 تخرج الملازم عبد الفتاح السيسي من الكلية الحربية مرتديًا بدلته العسكرية الجديدة، وعُيّن فور تخرجه ضابطًا بسلاح المشاة، وكان اختياره لهذا السلاح نتيجة تفوقه في مادة التكتيك، وتميزه في الرماية واللياقة البدنية.

 

وبدأ حياته العسكرية قائدًا لفصيلة مشاة في الكتيبة 350 مشاة ميكانيكي التابعة للواء 116 مشاة ميكانيكي من الفرقة 23 مشاة ميكانيكي.

 

وبعد مرور عامين، وتحديدًا في الأول من أبريل عام 1979، رُقي إلى رتبة ملازم أول، وفي اليوم التالي توليت أنا المقدم سمير فرج قيادة الكتيبة 350 مشاة ميكانيكي، بعد عودتي من كلية القادة والأركان، حيث كنت قد عملت بها مدرسًا، وسبق ذلك تخرجي في كلية كامبرلي الملكية بإنجلترا.

 

ولم يكن يدري الملازم أول عبد الفتاح السيسي آنذاك أن قائد كتيبته العائد من كلية كامبرلي الملكية، سيشهد بعد سنوات طويلة سفره هو الآخر إلى نفس الكلية الملكية في إنجلترا لاستكمال دراساته العسكرية العليا.

 

وفور تسلمي قيادة الكتيبة، اخترت الملازم أول عبد الفتاح السيسي ليكون ضابط استطلاع وأمن الكتيبة، وهو المنصب الذي يُعد العين التي يرى بها قائد الكتيبة أرض المعركة، ويعمل بصورة مباشرة مع رئيس العمليات.

 

وأتذكر هنا ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إحدى احتفالات القوات المسلحة بذكرى حرب أكتوبر، عندما تناول الميكروفون بابتسامته الهادئة وقال أمام الحضور:

 

“اللواء سمير فرج كان قائد كتيبتي وأنا برتبة ملازم أول.”

 

وعندما تحدثت بعدها أوضحت أن الكتيبة كانت تضم 34 ضابطًا، بينهم رئيس العمليات برتبة رائد، وثلاثة قادة سرايا، ومع ذلك وقع اختياري على الملازم أول عبد الفتاح السيسي ليكون ضابط الاستطلاع، وهو من أهم المناصب داخل الكتيبة.

 

وعندما سُئلت عن سبب هذا الاختيار، أوضحت أنني قضيت أسبوعًا كاملًا أراقب جميع ضباط الكتيبة قبل اتخاذ القرار، وفي النهاية وقع اختياري على الملازم أول عبد الفتاح السيسي لما لمسته فيه من انضباط وكفاءة وقدرة على تحمل المسؤولية.

 

وعندما أنهيت قيادتي للكتيبة بعد عامين، كتبت التقارير السرية لجميع ضباطها، كما تقضي تقاليد القوات المسلحة، وكان المعتاد أن يحصل أربعة ضباط فقط من بين أربعة وثلاثين ضابطًا على تقدير “امتياز”.

 

وكان هؤلاء الأربعة هم: رئيس العمليات برتبة رائد، وأحد قادة السرايا برتبة نقيب، ورئيس الشؤون الإدارية برتبة نقيب، ثم الملازم أول عبد الفتاح السيسي، وهو أمر نادر أن يحصل عليه ضابط حديث السن في تلك المرحلة من خدمته.

 

ولم يكن هذا التقدير من فراغ، وإنما جاء نتيجة ما لمسته فيه من كفاءة وانضباط وإخلاص طوال فترة خدمته بالكتيبة.

 

وكانت الكتيبة متمركزة آنذاك في (المنطقة أ) بسيناء، في أحد المواقع الدفاعية المتكاملة التي تضم الخنادق والدشم وحقول الألغام، وكانت تنفذ بصورة مستمرة تدريبات ومناورات على صد أي هجوم معادٍ.

 

ولذلك أعتبر أن تلك الفترة كانت من أهم مراحل التكوين العسكري للملازم أول عبد الفتاح السيسي، لأنه قضى عامين كاملين داخل موقع دفاعي متكامل تحت الأرض، يشارك في تنفيذ المناورات والتدريبات القتالية بصورة مستمرة، وهي خبرة عملية نادرة يصعب أن تتكرر في الظروف الحالية.

 

وكانت الكتيبة 350 مشاة تابعة للواء 116 مشاة، وكان قائد هذا اللواء في تلك الفترة العميد أركان حرب عمر سليمان، الذي أصبح فيما بعد رئيس المخابرات العامة المصرية. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتعرف فيها على الملازم أول عبد الفتاح السيسي، ومنذ ذلك الوقت لفت الملازم أول عبد الفتاح السيسي أنظار العميد عمر سليمان بما أظهره من انضباط وكفاءة وحسن أداء، فشعر أنه ضابط متميز يستحق المتابعة.

 

وبعد توقيع اتفاقية السلام في كامب ديفيد، بلغ التعاون العسكري المصري الأمريكي أوسع نطاق، حيث منحت الولايات المتحدة مصر معونة عسكرية سنوية قدرها 1.3 مليار دولار لتزويد القوات المسلحة المصرية بالأسلحة والمعدات، إلى جانب إيفاد الضباط المصريين في دورات دراسية داخل المعاهد العسكرية الأمريكية، وهو ما أتاح لهم الاطلاع على الفكر العسكري الغربي، الذي لم يكن متاحًا خلال الفترات السابقة.

 

وفي عام 1980 أعلنت هيئة التدريب بالقوات المسلحة عن بعثة لدورة المشاة الأساسية بالولايات المتحدة الأمريكية، فتقدم إليها الملازم أول عبد الفتاح السيسي، وانطبقت عليه جميع الشروط، واجتاز اختبارات المسابقة بنجاح، وسافر إلى الولايات المتحدة في أبريل 1980 حتى ديسمبر من العام نفسه، حيث درس بمدرسة المشاة الأمريكية “الدورة الأساسية المتقدمة للمشاة”، وحصل على تقدير “امتياز”، ليكون من أوائل الضباط الأصاغر في القوات المسلحة المصرية الذين حصلوا على هذه الدورة.

 

وطبقًا للنظام المتبع في القوات المسلحة، عاد بعد تخرجه ليُنتدب إلى مدرسة المشاة المصرية خلال الفترة من يناير 1981 حتى يوليو 1985، حيث تولى تدريس كل ما تعلمه هناك، ناقلًا الفكر العسكري الأمريكي إلى ضباط القوات المسلحة، في مرحلة كان فيها الجيش المصري يفتح أبوابه على الفكر العسكري الغربي، بعد أن ظل لعقود طويلة يعتمد على الفكر العسكري الشرقي السوفيتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى