المقالاتصحة

من باب صغير إلى حياة جديدة*   كيف أصبحت Narcotics Anonymous طوق نجاة لآلاف المدمنين في مصر

*من باب صغير إلى حياة جديدة* 

 كيف أصبحت Narcotics Anonymous طوق نجاة لآلاف المدمنين في مصر

 أيمن فرغلي يكتب

استشاري صحة نفسية وعلاج إدمان

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين وقف شاب في أواخر العشرينات أمام باب شقة قديمة يتردد في الدخول كان مرهقًا وخائفًا ويحمل داخله شعورًا ثقيلًا بأن حياته انتهت بالفعل لم يكن يعرف ماذا ينتظره خلف هذا الباب لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط وهو أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار في الهروب من نفسه وبعد دقائق قليلة دخل إلى غرفة بسيطة جلس فيها أشخاص لا يعرف أسماءهم لكنهم كانوا يعرفون ألمه جيدًا وهناك ولأول مرة قال بصوت مرتعش أنا مدمن

هكذا تبدأ حكاية كثير من المتعافين داخل زمالة المدمنين المجهولين التي تحولت على مدار سنوات إلى واحدة من أهم مساحات الدعم النفسي والإنساني لمرضى الإدمان في مصر حيث وجد آلاف الأشخاص فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة بعد سنوات من الضياع والخوف والعزلة

ظهرت زمالة المدمنين المجهولين في مصر خلال نهاية الثمانينات وبداية التسعينات مع تزايد أزمة الإدمان واحتياج المدمنين إلى مكان يشعرون فيه بالأمان بعيدًا عن الأحكام القاسية ونظرات المجتمع وكانت البداية متواضعة للغاية من خلال اجتماعات صغيرة ضمت عددًا محدودًا من المتعافين الذين تعرفوا على تجربة الزمالة العالمية وحاولوا نقلها إلى مصر ومع مرور الوقت بدأت الفكرة تنتشر تدريجيًا لأن كل شخص استطاع أن يتعافى كان ينقل الأمل إلى شخص آخر حتى أصبحت الاجتماعات تُقام اليوم في محافظات عديدة ويشارك فيها أشخاص من أعمار وخلفيات مختلفة تجمعهم رغبة واحدة وهي النجاة من الإدمان

ولا تعتمد الزمالة على العلاج الطبي وحده بل تقوم على بناء الإنسان من الداخل فالمدمن داخل الاجتماعات لا يُعامل باعتباره مذنبًا أو شخصًا بلا قيمة بل باعتباره إنسانًا يعاني من مرض يحتاج إلى دعم وفهم ولهذا يشعر كثير من الأعضاء براحة لم يعرفوها منذ سنوات لأنهم يجدون أنفسهم وسط أشخاص عاشوا نفس التجربة وشعروا بنفس الخوف واليأس

ويؤكد كثير من المتعافين أن أخطر ما يفعله الإدمان بالإنسان ليس فقط تدمير صحته بل عزله عن العالم فمع الوقت يفقد المدمن ثقته بنفسه ويبتعد عن أسرته وأصدقائه ويشعر أنه غير قادر على العودة إلى الحياة الطبيعية لكن داخل اجتماعات NA يبدأ هذا الشعور في التغير تدريجيًا عندما يكتشف أنه ليس وحده وأن هناك من استطاعوا الوقوف من جديد بعد سقوط طويل

وتقوم الزمالة على برنامج يعرف باسم الاثنتي عشرة خطوة وهو برنامج يساعد المدمن على مواجهة نفسه والاعتراف بأخطائه والعمل على تغيير سلوكه وحياته بشكل تدريجي ومن خلال هذا البرنامج يتعلم المتعافي الصدق عندما يعترف بحقيقة مرضه ويتعلم التواضع عندما يطلب المساعدة ويتعلم الصبر عندما يدرك أن التعافي رحلة طويلة تحتاج إلى وقت وإرادة

ولا يتم تعليم هذه المبادئ من خلال المحاضرات أو النصائح المباشرة بل من خلال التجربة الإنسانية اليومية فالمتعافي الجديد يستمع إلى قصص الآخرين ويرى كيف تغيرت حياتهم مع الوقت وكيف استطاعوا إصلاح علاقتهم بأسرهم واستعادة ثقتهم بأنفسهم وهنا يدرك أن التعافي ليس مجرد توقف عن التعاطي بل أسلوب حياة جديد بالكامل

ومن أكثر الأفكار التي تمنح المتعافين قوة داخل الزمالة فكرة التعافي يوم بيوم فالمدمن غالبًا يشعر بالخوف من المستقبل ويتساءل كيف سيعيش بقية عمره دون مخدرات لكن الزمالة تعلمه ألا يفكر في سنوات طويلة بل يركز فقط على اليوم الحالي ويحاول أن يمر هذا اليوم دون تعاطي ثم يكرر الأمر في اليوم التالي حتى تتحول الأيام إلى حياة جديدة

ولا يقتصر تأثير التعافي على الشخص وحده بل يمتد إلى أسرته أيضًا فكثير من العائلات التي عاشت سنوات من الألم والخوف بدأت تستعيد أبناءها من جديد عندما بدأوا رحلة التعافي ولذلك يرى البعض أن الزمالة لا تعالج فردًا واحدًا فقط بل تساعد على إنقاذ أسر كاملة من الانهيار

ورغم أن الطريق ليس سهلًا وأن الانتكاسة قد تظل خطرًا موجودًا فإن قوة الزمالة تكمن في أنها تمنح الإنسان فرصة مستمرة للوقوف مرة أخرى دون خوف من الفشل فداخل هذه الاجتماعات يتعلم المتعافي أن السقوط لا يعني النهاية وأن طلب المساعدة ليس ضعفًا بل بداية حقيقية للقوة

وفي النهاية ربما لا تستطيع زمالة المدمنين المجهولين أن تمحو الماضي بكل ما فيه من ألم لكنها تمنح الإنسان شيئًا أكثر أهمية وهو الأمل لأن المدمن عندما يجد من يسمعه دون إدانة ويقف بجواره دون شروط يكتشف أن الحياة لم تنته بعد وأنه مهما ابتعد عن النور يمكنه دائمًا أن يعود إليه من جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى