المقالات

عملاق البحر المتوسط يفتح أبوابه كيف يعيد ميناء أبو قير رسم خارطة التجارة العالمية في مصر

عملاق البحر المتوسط يفتح أبوابه كيف يعيد ميناء أبو قير

رسم خارطة التجارة العالمية في مصر

بقلم إيهاب محمود

الخبير السياسي والاقتصادي

في نقطة التقاء استراتيجية تفوح منها رائحة التاريخ وعبق المستقبل لا تقتصر جغرافية الإسكندرية على كونها عروسا للبحر الأبيض المتوسط فحسب بل تتحول اليوم إلى ركيزة صلبة تعيد تشكيل ملامح الخارطة اللوجستية الإقليمية والدولية ففي أقصى شرق الإسكندرية ينهض ميناء أبو قير البحري من واقعه التقليدي القديم ليخرج للضوء كأيقونة جديدة وأحد أضخم المشروعات القومية التي ترسم بمداد من وعي استراتيجي ملامح الجمهورية الجديدة في قطاع النقل البحري والتجارة العالمية

من حكاية صيد قديمة إلى بوابة عابرة للقارات

طالما عرف أبو قير بخليجه التاريخي وأمجاده الساحلية لكن لغة الاقتصاد الحديث لا تعرف العاطفة وحدها فهي تتطلب لغة الجهد والأرقام والبنية التحتية الجبارة ومن هنا جاءت رؤية التطوير الشاملة للميناء لا لتحسين واجهة بحرية بل لتدشين بوابة تجارية واقتصادية عالمية تضاهي أحدث الموانئ الذكية على مستوى العالم وتخفف بشكل جذري العبء الملقى على عاتق موانئ الإسكندرية والدخيلة التاريخية

الأرقام وحدها تكفي لتروي حكاية هذا التحول الجذري فالأرصفة التي كانت تتقوقع في السابق على طول لا يتجاوز كيلومتر وسبعمائة متر قفزت اليوم بخطى وثابة لتصل إجمالي أطوالها إلى نحو ثلاثة عشر كيلومترا أما الأعماق فقد تم قذفها إلى أعماق تتراوح بين سبعة عشر إلى اثنين وعشرين مترا وهي مساحة هندسية غير مسبوقة تتيح للميناء استقبال أضخم ناقلات الحاويات والبضائع في العالم تلك السفن العابرة للبحار التي كانت تتردد طويلا قبل إيجاد موانئ قادرة على استيعاب غاطسها المهيب ولحماية هذا الصرح ترتفع حواجز أمواج عملاقة بطول يقارب تسعة آلاف وأربعمائة متر لتشكل درعا حصينا يحمي الأحواض والنشاط اللوجستي على مدار الساعة

الثورة الذكية والشراكة العالمية

لا يقف سحر التطوير عند حد الحجارة والأسمنت والأرصفة الخرسانية بل يمتد إلى عقر عقل الميناء التشغيلي فقد جرى التخطيط للميناء ليكون واحة للرقمنة والذكاء الاصطناعي بدءا من ساحات التخزين الذكية وحتى أنظمة تداول الحاويات وإدارة السفن بالتعاون مع كبرى التحالفات العالمية مثل هاتشيسون بورت وغيرها هنا تندمج التكنولوجيا المتقدمة لتختصر الزمن وتلغي البيروقراطية وتمنح مجتمع الأعمال سرعة وكفاءة تضاهي الموانئ الأوروبية والآسيوية المتقدمة

شرايين المرور طوق نجاة لشرق الإسكندرية

لم يكن تطوير الميناء عملية بمعزل عن محيطه العمراني والجغرافي فقد واكبت الطفرة البحرية ثورة هندسية برية تهدف إلى منع أي تكدس مروري في أحياء شرق الإسكندرية العريقة المعمورة طوسون المنتزه

شهد المحور الطريقي الجديد المرتبط بالميناء إنجازات هندسية فريدة ككباري راكتا العلوية التي تعبر أعلى المصارف والترع وكباري السكة الحديد التي تتقاطع بانسيابية تامة لخدمة حركة الشاحنات إلى جانب عشرات الكباري السطحية والأنفاق الاستراتيجية التي تربط الميناء مباشرة وبلا توقف بشبكة الطرق القومية والطريق الدولي الساحلي لتنساب حركة البضائع كشريان حقيقي ينبض بالحياة دون أن يختنق المرور المحلي

رؤية أبعد من الأفق

إن ما يحدث في ميناء أبو قير ليس مجرد تشييد لمرفأ بحري بل هو إعادة تموضع استراتيجي لمصر على طريق سلاسل الإمداد العالمية واستغلال أمثل لموقعها العبقري الذي يربط الشرق بالغرب إنه يترجم على أرض الواقع كيف تتحول البنية التحتية إلى رافد اقتصادي يولد آلاف فرص العمل ويجذب استثمارات بمليارات الدولارات ويضع الاقتصاد المصري في قلب دائرة الفعل والتأثير البحري الدولي

حين تتأمل اليوم شاحنات البضائع وهي تنساب في المحاور الجديدة وسفن المستقبل العملاقة وهي ترسو في أحضان أعماق أبو قير تدرك يقينا أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب بل يكتبه أبناء هذا الوطن بصيغة العصر الحديث صيغة القوة والكفاءة والعبور الواثق نحو المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى