اقتصادالمقالات

هندسة الوفرة بالفقد لماذا نتلاشى كلما امتلأت أيدينا

هندسة الوفرة بالفقد لماذا نتلاشى كلما امتلأت أيدينا

بقلم إيهاب محمود خبير اقتصادي

 

يقف العالم المعاصر اليوم على طرفي نقيض في معادلة رياضية غريبة لم تعد قوانين الاقتصاد التقليدي قادرة على تفسيرها بصورة كاملة فبينما تتصاعد مؤشرات الاستهلاك وتتراكم الثروات المادية وتتسارع وتيرة الإنجازات اليومية يزداد العجز الروحي وتتآكل الموارد وتتراجع مساحات الحرية الشخصية هذه الظاهرة ليست مجرد مفارقة لغوية أفرزها لغز قديم بل هي فلسفة صريحة تعكس الواقع الاقتصادي والوجودي للإنتاج والاستهلاك الحديث تحت عنوان واحد كلما أخذت أكثر قل ما لديك

 

إن الوقت هو المورد الوحيد الذي يتلاشى لحظة استهلاكه وهو الحساب الذي يتناقص مع كل قرار بالاستزادة يمارس الإنسان الحديث عملية شراء دائمة للحظة الحاضرة على حساب رصيده الكلي المتبقي فكلما استقطع المرء جزءا من الزمن لتحقيق مكاسب وقتية تنازل طواعية عن مساحة محددة من وجوده الفردي وفي هذا السياق يصبح الاستهلاك الزمني بلا تخطيط استنزافا غير قابل للترميم لأن رأس المال الزمني محدد بسقف غير قابل للتجديد

 

وعلى المستوى الاقتصادي والمادي تتجلى هذه المعادلة في مفهوم الملكية والتراكم المالي تشير أدبيات الفلسفة الرواقية وعلم النفس الاقتصادي إلى أن التوسع غير المنسجم في حيازة الأصول والجاه والسلطة يفرض تكاليف حماية وإدارة غير مرئية تفوق في أحيان كثيرة قيمة الأصل نفسه تتحول الممتلكات من أدوات لخدمة الرفاهية إلى عبء يستهلك الطاقة الذهنية والجهد الإداري مما يؤدي إلى تقليص الحرية الذاتية للمستثمر أو الفرد ليصبح المحصل النهائي لتراكم الأشياء هو فقدان الاستقلالية

 

أما على الصعيد التنموي والبيئي فإن العالم يعمل كمنظومة مغلقة تخضع لقوانين التوازن المباشر إن الأخذ المفرط من الطبيعة وموارد المباشرة دون مراعاة الاستدامة يخلق عجزا تراكميا تتكبد تكلفته الأجيال القادمة فالاستنزاف اليومي للرصيد البيئي أو التعدين الجائر للموارد لا يعني سوى انخفاض القدرة الإنتاجية المستقبلية وهنا تتحول فلسفة العجز الناتجة عن الوفرة المؤقتة إلى واقع ملموس يتطلب إعادة النظر في آليات إدارة المخاطر والتخطيط الوقائي

 

إن إدارة هذا التناقض تتطلب التحول من نموذج الاستحواذ المطلق إلى نموذج القيمة المضافة والاستدامة فالمجتمعات والمؤسسات والأفراد الذين يدركون حدود الطاقة والاستهلاك هم الأكثر قدرة على حفظ مواردها وتنميتها بينما يؤدي الركض المستمر خلف حيازة المزيد دون دراسة الجدوى الروحية أو الاقتصادية إلى التلاشي الذاتي إن الحكمة الاقتصادية والوجودية الحقيقية تنبع من معرفة الموعد المناسب للتوقف والتخلي لضمان البقاء في مساحة الوفرة الحقيقية بدلا من الانزلاق إلى سداد تكالي

ف الاستنزاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى