أخاف أن أقترب منك فأفقدك وأخاف أن أبتعد عنك فأفقد نفسي

أخاف أن أقترب منك فأفقدك وأخاف أن أبتعد عنك فأفقد نفسي
بقلم د/ برديس رزق
إستشاري الصحه النفسيه و علاج الإدمان
هناك نوع من الحب لا يشبه أي حب آخر
حب يجعلك تقف على مسافة آمنة من الشخص الذي يسكن قلبك وكأنك تحاول أن تحميه منك وتحمي نفسك منه في الوقت نفسه
تشتاق إليه لكنك تقاوم رغبتك في الاقتراب وتريد أن تخبره بما تشعر به لكنك تبتلع كلماتك في اللحظة الأخيرة وتراقب تفاصيله من بعيد وكأن الاقتراب منه مغامرة قد تكلفك قلبك كله
أنت لا تخاف من الحب نفسه بقدر ما تخاف من نهايته
تخاف أن تمنح أحدهم مكانة لم يمنحها لك يوما وتخاف أن تعتاد وجوده ثم تستيقظ ذات يوم لتكتشف أنه أصبح غريبا وتخاف أن تفتح له أبواب روحك التي أغلقتها بصعوبة بعد معارك قديمة لم تخبر عنها أحدا
ربما لأنك جربت الفقد من قبل وربما لأنك أحببت أشخاصا لم يعرفوا كيف يحافظون عليك وربما لأن الحياة علمتك أن بعض الأشياء الجميلة لا تبقى دائما وأن أكثر ما يؤلمنا أحيانا هو الشيء الذي تمنينا أن يستمر إلى الأبد
فتبدأ في ممارسة نوع غريب من المقاومة
تقترب بقلبك وتبتعد بتصرفاتك وتشتاق بصمت وتبدو وكأنك لا تبالي وتنتظر رسالة منه ثم تتظاهر بأنك لم تكن تنتظر شيئا
وحين تشعر أن العلاقة بدأت تصبح أعمق وأن هذا الشخص لم يعد عابرا في يومك بل أصبح جزءا من راحتك وتفكيرك وتفاصيلك الصغيرة تبدأ في الخوف
ماذا لو أحببته أكثر مما ينبغي
ماذا لو تعلقت به ثم رحل
ماذا لو أصبحت سعادتي مرتبطة بوجوده ثم اضطررت يوما إلى العيش بدونه
فتختار أحيانا أن تحرمه من الاقتراب لا لأنك لا تريده بل لأنك تريده أكثر مما تستطيع احتماله
وهنا تكمن المأساة
أن يتحول الحب الذي كان من المفترض أن يمنحك الأمان إلى مصدر للخوف وأن يصبح الشخص الذي تتمنى أن يكون أقرب الناس إليك هو نفسه الشخص الذي تخشى أن تكشف له عن أعمق ما بداخلك
لكن الحقيقة التي يجب أن تعرفها هي أن الابتعاد لا يضمن لك النجاة من الفقد وأن إخفاء مشاعرك لا يحمي قلبك دائما وأنك قد تخسر علاقة جميلة لمجرد أنك كنت تحاول حمايتها من نهاية لم تحدث بعد
ليس كل من اقترب منك سيؤذيك وليس كل من أحببته سيتركك وليس كل نهاية قديمة نذير شؤم لنهاية جديدة
نعم لا توجد ضمانات في العلاقات الإنسانية ولا أحد يستطيع أن يعدك بأن شخصا سيبقى إلى الأبد لكنك تستطيع أن تتعلم كيف تحب دون أن تفقد نفسك وكيف تمنح الثقة بالتدريج وكيف تقترب دون أن تتخلى عن حدودك وكرامتك وحياتك الخاصة
فالحب الناضج ليس أن تلقي بقلبك في يد أحدهم وتنتظر منه أن ينقذك من مخاوفك بل أن تسمح له بأن يعرفك على حقيقتك وأن تمنحه فرصة حقيقية ليختارك كما أنت وأن تتذكر أنك حتى لو فقدت شخصا تحبه فلن تكون مضطرا إلى فقدان نفسك معه
لا تجعل جراح الأمس تحكم على أشخاص لم يؤذوك بعد ولا تعاقب قلبك على أخطاء ارتكبها آخرون ولا تحرم نفسك من لحظة جميلة لأنك تتخيل ألما قد يأتي في المستقبل
عش الحب بوعي لا برعب وامنح المشاعر فرصة للنمو دون استعجال ودون أن تطلب منها ضمانات مستحيلة
وإذا كنت تخاف الاقتراب لأنك تخشى الفقد فتذكر أن بعض القلوب لا تحتاج منك إلى الهروب بل تحتاج منك إلى الصدق وأن بعض العلاقات تستحق أن تمنحها فرصة قبل أن تحكم عليها بالخسارة
فأقسى أنواع الوحدة ليست أن تعيش بلا شخص تحبه بل أن تحب شخصا بكل ما فيك ثم تحرمه من الوصول إليك لأنك تخشى أن يأتي اليوم الذي لا تجده فيه
لا تجعل خوفك من النهاية يسرق منك جمال البداية ولا تجعل احتمال الفقد يمنعك من عيش ما يستحق أن يُعاش
فالحب ليس وعدا بألا نفترق أبدا
الحب أن نمتلك الشجاعة لنقترب بصدق وأن نمنح بعضنا الأمان ما استطعنا وأن نعيش اللحظة دون أن نترك أشباح الماضي تسرق حاضرنا
اقترب حين تشعر بالأمان وتحدث حين تعجز عن ا
لصمت وتذكر دائما أن قلبك يستحق الحب كما يستحق الطمأنينة





