الشحاتة الرقمية: حين يصبح الفقر محتوىً ترفيهياً

الشحاتة الرقمية: حين يصبح الفقر محتوىً ترفيهياً
كتبت: د.ايمان محمد اسماعيل
لم يعد الفقر في عصرنا الحاضر مجرد قسوة في العيش أو نقصاً في المؤونة، بل تحول تحت سماء “السوشيال ميديا” إلى سلعة تُباع وتُشترى، ومادة خام لتوليد المشاهدات والأرباح. لقد استيقظنا على كابوس جديد يُعرف بـ “الشحاتة الرقمية” أو تجارة الآلام، حيث يقف صانع المحتوى بكامرته المتوحشة أمام بيت متهدم، أو طفل يرتجف بردًا، أو عجوز أكل الدهر عليه وشرب، لا لينقذهم في خفاء، بل ليحول دموعهم إلى “برومو” دعائي لزيادة عدد المتابعين وجمع التبرعات الوهمية. إننا أمام انحطاط أخلاقي غير مسبوق، يُغتصب فيه حق الإنسان في الستر والكرامة مقابل حفنة من “اللايكات”.
«إن أعظم أنواع القسوة ليست في ترك الفقير يواجه جوعه، بل في توجيه عدسة الكاميرا نحو وجهه المكسور، وبيعه كـ “محتوى ترفيهي” في سوق النخاسة الرقمي ليصفق له المتفرجون.»
من منظور تحليلي، نشهد اليوم صعود ما يمكن نسميه “اقتصاد الاستجداء”. لم تعد المساعدة الإنسانية عملاً لوجه الله يُخفى باليمين عما تفعل الشمال، بل صارت “عرضاً مسرحياً” رخيصاً. تجد صانع المحتوى يدخل على أرملة مكلومة أو مسن يعاني العوز، وكأنه يقتحم مسرح جريمة؛ يوجه الإضاءة الساطعة نحو وجهه المرتجف، ويطرح عليه أسئلة مهينة تجبره على إظهار أقصى درجات الانكسار ليحصل على التفاعل المطلوب.
هذا الاستغلال البشع يجرّم إنسانية الفقير مرتين: مرة حين يتركه فريسة للفقر، ومرة حين يجردة من كرامته ويحول عوزه إلى “مادة للفرجة”. إن الكاميرا هنا لا تمتد لمساعدة المكسور، بل لامتصاص آخر قطرة من كرامته وسكبها في خزانات “الخوارزميات” لتدر أرباحاً طائلة على من لا ضمير له.
حين تصبح المساعدة مشروطة بـ “التصوير العلني”، فإننا لا نمارس إحساناً، بل نمارس “إذلالاً ممنهجاً”. تتخيل ذلك الطفل الذي يقبل يد صانع المحتوى أمام الكاميرا مقابل حقيبة ملابس أو مبلغ زهيد، وتدرك حجم الجريمة النفسية التي تُرتكب في حق أجيال كاملة تُزرع في نفوسهم عقيدة “الاستجداء المصور”.
المجتمع، بدوره، يشارك في هذه الجريمة بالصمت أو بالتصفيق؛ فالمتابع الذي يكتب “جزاه الله خيراً” وهو يشاهد فيديو ينتهك عرض فقير ويفتح بيته على مصراعيه لعيون المتلصصين، هو شريك متواطئ في اغتيال النخوة. لقد تم تطبيع القسوة حتى صار الناس يستهلكون مآسي أسر كاملة كأنها “مسلسل درامي” يومي، يتابعون حلقاته وهم يحتسون القهوة، دون أن تهتز لهم شعرة من إنسانية مسلوبة.
الكرامة ليست للبيع
الفقر ليس عاراً، ولكن استغلال الفقر على منصات التواصل هو العار بعينه. إننا بحاجة عاجلة إلى وقفة حاسمة، قانونية وأخلاقية، لتجريم هذه الممارسات التي تتخذ من العمل الإنساني غطاءً لإنتاج “بورنوغرافي” للفقر والجوع.
اجمعوا عدساتكم عن وجوه الغلابة. فالإنسان الحقيقي لا يبيع دموع أمهاتنا على “التايم لاين”، ولا يحول كرامة أبنائنا إلى رصيد بنكي في بورصة الوهم. اتركوا للناس بقايا سترهم، واعلموا أن السماء لا تقبل صدقة قُصد بها وجه الكاميرا لا وجه الله.





