المقالات

طبيب اختار الكهنوت.. فكرّمه العلم ” أبونا مقار مجدي يحصل على ماجستير جراحة العظام بملابسه الكهنوتية”

طبيب اختار الكهنوت.. فكرّمه العلم

أبونا مقار مجدي كاهن كنيسة الأنبا ابرام زين العابدين يحصل على ماجستير جراحة العظام بملابسه الكهنوتية

ايڤيلين موريس تكتب 

 

في مشهد يحمل الكثير من المعاني الإنسانية، امتزجت فيه الخدمة الكهنوتية بالعلم، والإيمان بالطموح، والعطاء بالبحث والمعرفة، ناقش أبونا القس مقار مجدي، «بيشوي سابقًا»، رسالة الماجستير في تخصص جراحة العظام بكلية الطب جامعة الإسكندرية، مرتديًا ملابسه الكهنوتية، ليكتب فصلًا مميزًا في رحلته التي جمعت بين الطبيب والكاهن.

 

وجرت مناقشة الرسالة بحضور نيافة الأنبا هيرمينا، الأسقف العام لكنائس شرق الإسكندرية، ولفيف من الآباء الكهنة، وسط أجواء اتسمت بالفخر والتقدير من أساتذة كلية الطب، الذين ثمنوا إصرار القس الطبيب على استكمال مسيرته العلمية رغم انتقاله إلى حياة الخدمة الكهنوتية.

 

قد يبدو حصول كاهن على ماجستير في الطب أمرًا غير معتاد، خاصة أن الدراسات العليا التي يواصلها كثير من الآباء الكهنة تكون في المجالات اللاهوتية، إلا أن قصة أبونا مقار تحمل تفاصيل تجعل المشهد أكثر وضوحًا.

 

فقد بدأ القس مقار إجراءات دراسة الماجستير عام 2016، أي قبل رسامته كاهنًا، وأنجز بالفعل الجزء الأكبر من متطلبات الدراسة، حيث أنهى الحالات والامتحانات، وكتب بروتوكول الرسالة، ولم يتبق أمامه سوى استكمال بعض الإجراءات وكتابة الرسالة ومناقشتها.

 

ثم جاءت رسامته كاهنًا عام 2020، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، اختار فيها الخدمة الكنسية وتكريس حياته لخدمة الله والناس، إلا أن حلمه العلمي الذي بدأه قبل سنوات ظل قائمًا، إلى أن عاد لاستكماله.

 

لم يكن الهدف من استكمال الماجستير أن يعود القس مقار إلى العمل طبيبًا، فقد كان قد اختار طريق الخدمة الكهنوتية، وإنما كان دافعه الأساسي هو حبه للعلم والقراءة والبحث العلمي، ورغبته في إتمام مرحلة بدأها بالفعل قبل الكهنوت.

 

فالماجستير بالنسبة له لم يكن مجرد ورقة تُضاف إلى سيرته الذاتية، وإنما محطة علمية كان قد قطع فيها شوطًا كبيرًا، ولم يكن يريد أن يتركها معلقة.

 

وهنا تبدو أجمل تفاصيل القصة؛ فالرجل الذي اختار أن يترك حياته العملية ويتفرغ لخدمة الله، لم يترك شغفه بالعلم، بل عاد إليه ليغلق دائرة بدأها منذ سنوات.

 

وربما تحمل قصة أبونا مقار معنى آخر أكثر جمالًا؛ فبالرغم من حصوله على ماجستير في جراحة العظام، فإن كل من يعرفه عن قرب يدرك أن قيمته الحقيقية لا تكمن في تخصصه الطبي فقط.

 

لقد اختار أن يكون طبيبًا للقلوب قبل أن يكون طبيبًا للعظام؛ يداوي بكلماته، ويمنح من حوله الطمأنينة بابتسامته، ويترك في نفوس من يلتقي بهم أثرًا طيبًا من خلال خدمته ووجهه البشوش وروحه المحبة.

 

واليوم، لم يكن مشهد وقوفه أمام لجنة المناقشة بملابسه الكهنوتية مجرد صورة لافتة، بل كان صورة تختصر رحلة إنسان آمن بأن خدمة الله لا تعني التخلي عن العلم، وأن اختيار طريق روحي جديد لا يلغي ما أنجزه الإنسان في طريقه السابق.

 

ولأن العلم الحقيقي لا تتوقف قيمته عند الحصول على شهادة، فإن أبونا القس مقار مجدي لا يزال يوظف ما اكتسبه من علم وخبرة في خدمة أبناء وطنه، فالكثيرون ممن يلجأون إليه لا يطلبون منه فقط كلمة روحية أو نصيحة إنسانية، بل يستفيدون أيضًا من خلفيته الطبية وعلمه وخبرته، فيقدم لهم المشورة والإرشاد بما يستطيع، ويحرص على أن تكون معرفته وسيلة لخدمة الإنسان ومساعدته.

 

وهكذا أصبح العلم بالنسبة إلى أبونا مقار جزءًا من رسالته في خدمة الآخرين؛ فما تعلمه لم يحتفظ به لنفسه، وما حصّله من معرفة لم يكن هدفه مجرد الحصول على درجة علمية، بل ظل وسيلة يمكن أن يقدم من خلالها شيئًا نافعًا لكل من يلجأ إليه.

 

وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الحكاية؛ فالقس الطبيب لم يترك الطب حين اختار الكهنوت، وإنما حمل معه علمه وخبرته، وأضاف إليهما رسالة المحبة والخدمة.

 

فهو طبيب للقلوب قبل أن يكون طبيبًا للعظام، وبعلمه وخدمته وابتسامته يستطيع أن يمد يد العون لمن يحتاج إلى كلمة صادقة، أو نصيحة، أو إرشاد، أو حتى مجرد شعور بأن هناك من يسمعه ويهتم به.

 

وفي النهاية، تبقى قصة أبونا مقار نموذجًا جميلًا لإنسان اختار أن يهب حياته للخدمة، دون أن يتخلى عن شغفه بالعلم، فجمع بين العقل الذي يبحث، والقلب الذي يخدم، والإنسان الذي يداوي.

 

مبروك لأبونا القس مقار مجدي هذا الإنجاز الجميل.. ماجستير في جراحة العظام، وقبلها وبعدها طبيب للقلوب، يداويها بالمحبة والخدمة والابتسامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى