المقالات

سيرك النفوس والنفسنة: من نيرة الزقازيق الى أسامة التجمع

سيرك النفوس والنفسنة:
من نيرة الزقازيق الى أسامة التجمع
م. إميل ن. عجبان يكتب:

في محراب العلاقات الإنسانية على الطريقة المصرية، حيث تختلط الحنية المفرطة بـ «تشغيل الدماغ»، وحيث لا شيء يُترك للصدفة ولا سلام بلا هدف، يبرز السؤال الأبدي مع كل مكالمة مفاجئة أو ابتسامة عريضة: «يا ترى الراجل ده عايز مني إيه؟». في بلد وُلِد أهله وفي جيناتهم “حرفنة” قراءة النوايا قبل أن تبدأ الجمل، يُعد “الذكاء البلدي” أو ما يُعرف بـ «الفهلوة» بمثابة دستور غير مكتوب. الفهلووي المصري لا يعترف بالصدف؛ فـ «الصباح الخير» التي يتبعها تنهيدة حب ليست مجرد تحية، بل هي “تذكرة مرور” تمهد الطريق للطلبات المستحيلة.

«المصلحة تحكم.. والفهلوة تسود».. هكذا كان الشعار السري الذي يحكم حركة الشارع، حيث يُنظر لمن يعيش ببساطة وعفوية باعتباره “غلبان” أو “على الله”، بينما يُعَد “المشغّل لدماغه” هو البطل الأوحد الذي يمسك خيوط اللعبة.

ولكي نقترب أكثر من الواقع وننزل إلى أرض الميدان، فالأمثلة على هذه الفلسفة أكثر من أن تحصى، ومواقفها تجري في تفاصيل حياتنا اليومية مجري الدم في العروق. خذ مثلاً ذلك الزميل في العمل الذي لم يسأل عنك طوال العام، ولم يتبادل معك التحية حتى على ماكينة القهوة، وفجأة تجده يظهر في مكتبك بابتسامة صفراء واضحة المعالم، ممسكاً بملف ورقي ليقول بصوت رقيق: «يا هندسة، مش عيب أبداً نبقى شغالين مع بعض سنين وما نشربش شاي مع بعض؟ بقولك.. معلش ليا طلب صغير خالص عند الإدارة الهندسية أو شؤون العاملين، وكنت عايزك تظبطهالي». هنا فقط تدرك أن الشاي لم يكن مقصوداً لذاته، بل كان “بنزين” لتسيير مصلحة عطلانة.

أو أن تأخذك العلة إلى عائلة كريم، حيث يظهر لك قريب لم تره منذ وفاة المرحوم عمه، ليفاجئك باتصال هاتفي يقطر حناناً: «أنا كنت لسة باصص في صورتك وبقول فين ابن الغالي، وحشتنا والله يا راجل»، وما إن ترد السلام بحرارة حتى يأتي “الدبوس” في نهايته: «بالمناسبة يا أبو حميد، ابني جاب مجموع حلو وعايز واسطة في الكلية الفلانية، وأنا عارف إن معرفتك واصلة وشنبك مبيطأش الأرض». تتساءل في نفسك: أين كان هذا الحب الجارف طوال السنوات العشر الماضية؟ الإجابة بسيطة: الحب هنا ليس شعوراً، بل هو “بطاقة ائتمان” تُسحب عند الحاجة.

ولا ننسى نموذج “الصديق اللزج” الذي يصر على أن يدفع حساب القهوة بنفسه، ويدفعك بشراسة وكأنه يدافع عن عرضه، ليفاجئك في اليوم التالي باتصال يطلب فيه أن تضمنه في قرض بنكي أو تجمع له “جمعية” مبكرة، لتعرف فوراً أن فنجان القهوة لم يكن سوى “عربون تعارف” لعملية نصب عاطفي واجتماعي مبرمجة بدقة.

وسط هذه الدوامة من الحسابات المعقدة، والتربيطات التي تُحاك على المقاهي وتحت بيوت العائلات، تظهر جملة واحدة كفيلة بأن تصعق الجميع، وتجعل “الفهلووي” يقف مذهولاً عاجزاً عن فك طلاسمها: «أنا مليش مصلحة مع حد». هذه الجملة ليست مجرد كلمات تُلقى عابرة، بل هي قنبلة ديموغرافية وفكرية تضرب في عمق ثقافة “التكسب الاجتماعي”. عندما تقول لشخص يزنك بميزان الذهب والمصالح العابرة: «أنا ماليش عندك حاجة ولا ليك عندي حاجة»، فأنت كمن يطفئ أنوار “كباريه السياسة اليومية” في وجه زبون اعتاد أن يدفع بالعملة الصعبة من الخدمات المتبادلة.

إنه لمن المدهش حقاً تأمل لغة الأجساد والوجوه حين يواجه “الأستاذ في تشغيل الدماغ” إنساناً لا يطلب شيئاً، ولا يطمع في منصب، ولا ينتظر واسطة، ولا يتملق كبيراً. تصاب “السيستم” العصبي للفهلوة بعطل فجائي؛ فالرادار الذي اعتاد رصد “الزبون” أو “الضحية المحتملة” يتعطل تماماً أمام شاشة بيضاء خالية من البيانات. المصري بطبعه حنون وفنان في صناعة العلاقات، لكنه حين يُبتلى بمرض الحسابات الضيقة، يتحول الصديق إلى «مستشار تسويق شخصي»، وتتحول صلة الرحم إلى «بورصة مصالح».

ولكن، وكأن “سيرك النفوس” لا يكفيه هذا القدر من الكوميديا السوداء، فإن الهزل حين يتصاعد يتحول أحياناً إلى تراجيديا دميمة تفطر القلوب. وتأمل معي حين تنزلق “النفسنة” والمصالح الشخصية الضيقة إلى حافَة الجنون المطلق، كفاجعة التجمع الخامس حين يتحول من المفترض أنهم سند وعزوة إلى ذئاب بشرية تطحن بعضها طمعاً في إرث أو مكسب مادي عابر.

بل إن قمة “تشغيل الدماغ” المريض تتجلى في تلك العقول التي لا تقبل كلمة «لا»، فتتحول الرفض العاطفي إلى ساحة إعدام، كما رأينا في مأساة نيرة أشرف وسلمى بهجت، ومؤخراً الضحية ميرنا في الخصوص. هنا، تصبح “المصلحة” هي امتلاك الآخر، وحين تفشل الفهلوة في الإقناع، يبرز السكين كأداة أخيرة للتفاوض البائس. هنا يرتجف القلم ويقف العقل عاجزاً أمام قاع الانحطاط البشري؛ حيث تصبح النفس البشرية أرخص بكثير من الحبر المكتوب، وتتجسد أقصى درجات الغدر في أبشع صوره، لندرك حينها أن عبارة «مليش مصلحة مع حد» لم تعد مجرد تفضيل شخصي للراحة، بل هي درع حماية رباني للنجاة بروحك وعقلك من عالم تحول فيه القريب أو المحب المزعوم إلى جلاد!

تنتقل بنا الكاميرا أيضاً إلى مشهد آخر لا يقل عبثية؛ وهو مشهد «أنا أخوك وفي ضهرك». في بلد المليون “أخ لم تلده أمك”، حيث تُوزع صكوك الجدعنة والشهامة على القهاوي وفي جلسات السمر بأرخص من سعر اللب والسوداني، تعيش ظاهرة كلامية فريدة من نوعها. اسمع أي حوار بين اثنين تعرفوا على بعضهم منذ خمس دقائق على شات فيسبوك أو على طاولة بلياردو، وستسمع حتماً الجملة البنجاسيه الخالدة: «يا عم إحنا إخوات، واللي يمسك يمسني، واعتبرني في ضهرك في أي وقت». الحنجرة تكون مليئة بالرجولة المصطنعة، والنبرة تكاد تقطر وفاءً، لدرجة تجعلك تشعر أنك تقف أمام ساموراي ياباني مستعد للموت دافعاً عن شرف الصداقة.

لكن، وما أهول كلمة «لكن» في القاموس البشري، تدور الأيام ويشاء السميع العليم أن تقع الواقعة، وتمر بضائقة حقيقية؛ سواء كانت أزمة مالية طارئة، أو مشكلة قانونية عابرة، أو حتى مجرد ورطة عائلية تحتاج إلى كلمة حق. هنا، وبقدرة قادر، ينقلب السحر على الساحر، وتتحول شعارات «أنا في ضهرك» إلى ظاهرة «الاختفاء القسري»!

خذ مثلاً ذلك الصديق الحميم الذي كان يقسم أغلظ الأيمان أنه مستعد أن يفديكم بعمره، والذي طالما أكل من عيشك وملحك وتردد على بيتك. ما إن تتصل به تطلب منه سلفة بسيطة لتجاوز عثرة الشهر، حتى يتحول هاتفه إلى مقبرة جماعية. الرنّات تمر بلا جواب، وإذا أردت أن تختبر مهاراتك في التحقيق الجنائي، فتابع حسابه على السوشيال ميديا؛ ستراه «أونلاين» ينشر حِكماً عن غدر الزمن وأهمية الاعتماد على النفس، أو تراه يتفاعل مع منشورات تافهة، بينما رسالتك الماستر بيس «يا فلان أنا واقع في ورطة» معلقة في ذمة التاريخ على علامة “الصحين” الزرقاء دون رد.

ولا تنتهي الحكاية عند حدود الاختفاء، بل هناك نموذج أسوأ بكثير؛ وهو نموذج “الخنجر المتبادل”. فهناك من لا يكتفي بالهروب، بل يتحول بمجرد أن تشعر بالضعف إلى خبير استراتيجي في تقطيع السير الذاتية وتأليب الناس عليك. الشخص الذي كان يطبطب على كتفك أمس، تراه اليوم يروج في المجالس: «يا عيني.. ما هو اللي كان عايم في المية وكبر دماغه، وأنا كنت دايماً أحذره بس هو ما بيسمعش الكلام!». أي أنه لم يكتفِ بالتخلي عنك، بل قرر أن يرتدي ثوب «الناصح الأمين» وهو يغرز السكين في ظهرك المائل أصلاً.

«الشعارات الرنانة في زمن المصالح ليست سوى مساحيق تجميل رخيصة؛ تغطي وعودها بالبياض المزيف، وتنكشف فور أول قطرة مطر حقيقية.»

إن المجتمع المصري، بما يحمله من طيبة مفرطة، طالما عانى من هذه النوعية التي تخلط بين “الجدعنة الكلامية” و”الرجولة الفعلية”. الجدع الحقيقي هو الذي يظهر بلا دعوة، ويقرضك بلا منّ، ويستر عورتك في الغياب قبل الحضور، ولا يرفع شعارات براقة لأن أفعاله تسبق لسانه. أما أصحاب “أنا في ضهرك”، فهم أشبه بالكراسي المتحركة بلا عجلات؛ تظن أنها ستحملك وقت الرحلة، لتكتشف في منتصف الطريق أنك تجرها وراءك وهي عبء إضافي يضاعف همومك.

وحين تقرر فجأة أن تخرج من هذه البورصة الخاسرة، وترفع شعار «مليش مصلحة مع حد»، وتكتفي بنقاء السريرة، ستتحول في نظرهم إلى كائن غريب، لغز محير، وربما “مجنون” لا يدرك قيمة الفرص، لدرجة أن بعضهم سيبدأ في التشكيك في نواياك قائلاً لنفسه: «أكيد الراجل ده وراه مصلحة خفية بس بيلعب بدماغه!». لكن الحقيقة المرة التي لا يجرؤ كثيرون على الإقرار بها هي أن الراحة النفسية المطلقة تبدأ تماماً من لحظة انعدام المصالح. أن تقعد مع الناس لله في سبيل الله، تضحك بجد، وتسمعه بصدق، وتفارقهم وأنت غير مدين لأحد بجميل، ولا ينتظر منك أحد «خدمة في مصلحة حكومية» أو «توسط عند فلان».

«أن تكون بلا مصلحة مع حد.. فهذا يعني أنك ملكت حريتك كاملة، وخرجت من سجن الابتزاز العاطفي والاجتماعي إلى رحاب السيادة الحرة.»

إلى كل فهلوي يحسبها بالمليم والخطوة، وإلى كل تاجر نوايا يظن أن الدنيا “قط وفار” ومصالح متبادلة: ابقَ في ملاعبك، وتابع ألاعيبك، لكن اعلم يقيناً أن هناك بشراً قد تعبوا من هذا السيرك، واختارت أرواحهم السلام. «مليش مصلحة مع حد» ليست قطيعة للناس، بل هي أسمى درجات الارتقاء بالتعامل: حب بلا شروط، وعلاقات بلا أجندات، وصفاء نقي يجفل منه أهل الحيل وتطمئن له النفوس الكبيرة. عش مطمئناً وتأكد أن انحناءة الظهر المؤقتة أمام عاصفة الغدر، أفضل ألف مرة من الاستناد إلى كتف مهترئ مصنوع من كرتون كاذب. افرح بكل من خلعوا من حياتك بلا رجعة، وقل لهم في صمت: «عدم وجودكم.. أرحم ألف مرة من حضوركم المزعوم!»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى