كيف تُشيِّع جنازتك بيديك… وأنت تبتسم للجميع؟

كيف تُشيِّع جنازتك بيديك… وأنت تبتسم للجميع؟
كتب م. إميل ن. عجبان
تستيقظ في موعدك، ترتدي ملابسك، تذهب إلى عملك، تنجز المطلوب منك، ترد على الرسائل، تحضر الاجتماعات، تبتسم عندما ينبغي أن تبتسم، وتعود إلى بيتك في المساء وقد فعلت كل شيء كما يجب.
لا أحد يستطيع أن يقول إنك فاشل.
على العكس تمامًا… أنت ناجح.
راتبك جيد، منصبك محترم، حياتك مستقرة، وعائلتك مطمئنة عليك. الناس تنظر إليك بإعجاب، وتقول: «ما شاء الله، ربنا كرمك». وأنت تبتسم، وتشكرهم، وتحاول أن تصدقهم.
لكن هناك شيئًا صغيرًا في داخلك لا يصفق.
شيء يجلس في أعمق نقطة منك، وينتظر لحظة هدوء، لحظة لا يكون فيها أحد حولك، ثم يسألك بصوت خافت لكنه لا يرحم:
«هل دي فعلًا الحياة اللي إنت عاوز تعيشها؟»
أصعب إنسان يمكن إنقاذه ليس الذي سقط في القاع، بل الذي يقف على قدميه ويقول للجميع إنه بخير.
لأن الذي سقط يعرف أنه يحتاج إلى يد. أما الذي يبدو ناجحًا، فلا أحد يتخيل أن بداخله إنسانًا يختنق.
قد تكون أنت هذا الإنسان.
تضحك مع زملائك، لكنك في طريق عودتك إلى البيت تشعر أنك تركت روحك في مكان ما، ولا تعرف أين.
تشتري أشياء كثيرة لأنك لا تعرف ماذا تفعل بالفراغ.
تفتح هاتفك بلا هدف، تقلب في الصور، ترى أناسًا بدأوا مشاريعهم، سافروا، كتبوا، رسموا، غنوا، تعلّموا، وغيّروا حياتهم… فتغلق الشاشة بسرعة، لا لأنك تكرههم، بل لأنك ترى فيهم نسخة من نفسك كان يمكن أن تكون موجودة.
وتلك النسخة تؤلمك.
تخيل أنك بدأت من الصفر، وتحملت سنوات طويلة، حتى أصبحت مديرًا في شركة كبيرة. الجميع يراك نموذجًا للنجاح. يهنئونك على منصبك، ويطلبون نصيحتك، ويقولون إنك عرفت كيف تبني مستقبلك.
وفي يوم مزدحم، بينما أنت غارق في التقارير والاجتماعات، يرن هاتفك. إنها ابنتك الصغيرة.
تجيبها فتقول لك: «بابا، إنت هترجع بدري النهارده؟»
تنظر إلى الساعة، ثم إلى شاشة الكمبيوتر الممتلئة بالأرقام، وتقول لها: «آه يا حبيبتي، النهارده هاجي بدري.»
وأنت لا تعرف أنك تكذب.
لا تقصد أن تكذب. أنت فقط تؤجل الحقيقة إلى نهاية الاجتماع، ثم إلى نهاية اليوم، ثم إلى الغد، ثم إلى الأسبوع القادم. تقول لنفسك إن هذه الفترة مؤقتة، وإنك تعمل من أجلها، وإنها ستفهم عندما تكبر.
تعود في تلك الليلة بعد أن تنام. تدخل غرفتها، فتجدها نائمة وهي تحتضن قطعة من ملابس العمل الخاصة بك. لقد انتظرتك حتى غلبها النوم.
تجلس بجوارها طويلًا.
ولا تبكي لأنك متعب من العمل فقط، بل لأنك تكتشف فجأة أن ابنتك لا تتذكر منك كثيرًا سوى ظهرك وأنت تغادر، وصوتك وأنت تقول: «بعد شوية يا حبيبتي».
وفي الصباح، تذهب إلى مكتبك كعادتك. تفتح جهاز الكمبيوتر، وقبل أن تبدأ، تجد تسجيلًا صوتيًا أرسلته لك ليلًا:
«بابا… أنا بحبك، بس نفسي أشوفك وإنت مش مستعجل.»
تظل تنظر إلى الجملة كأنها جاءت من مكان بعيد.
لقد امتلكت كل شيء تقريبًا… إلا الوقت الذي يجعل كل هذا الشيء يستحق.
كثيرون لا يختارون حياتهم، بل يرثونها.
يرثون الوظيفة التي قال الأب إنها «مضمونة».
ويرثون الحلم الذي اختارته العائلة.
ويرثون الخوف من كلام الناس.
ويرثون فكرة أن الإنسان العاقل لا يترك شيئًا مستقرًا من أجل شيء يحبه.
فنحن نُربّى أحيانًا على أن الشغف رفاهية، وأن الأحلام جميلة في الكلام فقط، وأن الحياة الحقيقية هي أن تدفع الفواتير، وتتحمل، وتصمت، وتكمل.
ولا أحد يخبرنا أن الاستمرار في حياة لا تشبهنا له ثمن أيضًا.
ثمنه أن تنام بجسدك وتستيقظ بروح أقل.
ثمنه أن تتحول أيامك إلى نسخ متكررة، لا يحدث فيها شيء سيئ بما يكفي لتصرخ، ولا شيء جميل بما يكفي لتشعر أنك حي.
ثمنه أن تنجح في نظر الناس، ثم تعود إلى غرفتك وتسأل نفسك: «أنا بعمل كل ده لمين؟»
تخيل أنك تعمل في وظيفة مرهقة لا تحبها، بينما كان الرسم يسكنك منذ طفولتك. كنت ترى في الأشياء العادية ما لا يراه الآخرون: وجه أمك على ورقة قديمة، نافذة بيتكم، ويد أبيك وهي تمسك كوب الشاي.
لكن الحياة أخذتك بعيدًا. قيل لك إن الرسم لا يطعم خبزًا، وإن عليك أن تختار «طريقًا محترمًا».
فاختَرت الطريق المحترم.
مرت السنوات، وصرت كلما اشتريت ألوانًا جديدة أخفيتها في درج. تقول لنفسك: «لما أفضى.»
لكنّك لا تفضى.
ثم يأتي يوم تمرض فيه والدتك. تزورها في المستشفى، تحمل معها الطعام والدواء، وتجلس بجوارها في صمت. تنظر إليك وتسألك:
«إنتِ لسه بترسمي؟»
تبتسم بحرج وتقول: «بطلت تقريبًا.»
فتنظر أمك إلى يدك، وتقول: «أنا فاكرة إنك كنتِ أسعد واحدة في الدنيا وإنتِ بترسمي.»
ولا تعرف ماذا تقول.
وبعد أيام قليلة، ترحل أمك.
تعود إلى بيتك، وتفتح الدرج الذي أخفيت فيه الألوان. تجد بعضها جافًا، وبعض الأوراق بيضاء، ودفترًا قديمًا كتبت أمك على غلافه: «لسلمى… عشان تفضل فاكرة نفسها.»
تجلس على الأرض وتبكي. لا تبكي أمك وحدها، بل تبكي السنوات التي عشت فيها بجوار نفسك دون أن تلتقي بها.
ثم تبدأ الرسم من جديد.
لا تترك عملك في اليوم التالي، ولا تتحول حياتك بمعجزة. لكنك ترسم ساعة كل مساء. ثم تعرض لوحاتك على الإنترنت. ثم تأتيك طلبات صغيرة. وبعد وقت طويل، تستطيع أن تعمل في شيء تحبه.
لم تكن الشجاعة أن تقفز في الظلام.
كانت الشجاعة أن تفتح الدرج أخيرًا.
أحيانًا ننتظر أن يأتي الشغف في صورة نار هائلة، تجعلنا نترك كل شيء ونركض نحو حلمنا بلا خوف.
لكن الشغف غالبًا أكثر هدوءًا من ذلك.
قد يكون رغبة لا تعرف كيف تشرحها.
قد يكون الشيء الذي تفعله وتنسى معه الوقت.
قد يكون موضوعًا تعود إليه رغم أنك أقنعت نفسك أنك انتهيت منه.
قد يكون موهبة تظهر فيك كلما حاولت دفنها.
قد يكون إحساسًا غريبًا بالحسد عندما ترى شخصًا يعيش ما كنت تتمنى أن تعيشه؛ ليس الحسد الذي يتمنى زوال النعمة، بل الوجع الذي يقول: «أنا أيضًا كان يمكن أن أفعل هذا.»
الشغف لا يعني أنك لن تتعب.
بل ربما ستتعب أكثر.
لكنه تعب مختلف. تعب يجعلك تشعر أنك تتحرك في اتجاهك، لا أنك تركض بعيدًا عن نفسك.
هناك فرق بين أن تتعب وأنت تبني شيئًا تؤمن به، وأن تتعب وأنت تحاول إقناع قلبك بأن ما تفعله يكفي.
تخيل أنك تحلم بفتح مطعم صغير. لا تريد مكانًا فاخرًا؛ تريد مطعمًا بسيطًا يقدم الأكل الذي تعلمته من أمك، ويضع في كل طبق شيئًا من رائحة البيت.
لكنّك تظل تؤجل.
«لما أجمع فلوس أكثر.»
«لما أضمن المستقبل.»
«لما أتجوز.»
«لما أخلص التزاماتي.»
تعمل في وظيفة لا تحبها، وتعتاد أن تقول إن هذا مؤقت. لكن المؤقت يطول، حتى يصير عمرًا كاملًا.
وذات صباح، تصيبك أزمة صحية مفاجئة. لا تكون النهاية، لكنك تقضي أسابيع في المستشفى. وهناك تعرف أن جسدك الذي أهملته كان يرسل لك إشارات منذ سنوات، بينما كنت ترد عليه دائمًا: «بعد شوية.»
بعد خروجك، لا تفتح المطعم فورًا. لا تملك الشجاعة الكاملة، ولا المال الكافي، ولا الضمانات التي كنت تنتظرها.
لكنك تشتري عربة صغيرة.
وتبدأ في بيع طبق واحد كل مساء.
لا تصبح غنيًا. ولا تتغير حياتك في أسبوع. لكنك في أول يوم، عندما تعود إلى بيتك، تقول لأمك: «النهارده تعبت… بس لأول مرة مش حاسس إني ضيعت اليوم.»
أحيانًا لا تحتاج إلى قرار ضخم.
تحتاج فقط إلى خطوة صغيرة تثبت لنفسك أنك لم تمت بعد.
الاستقرار نعمة، نعم.
لكن النعمة قد تتحول إلى قيد إذا استخدمناها ذريعة لعدم الحياة.
ليس المطلوب أن تترك عملك غدًا، أو أن تعرض بيتك للخطر، أو أن تتجاهل مسؤولياتك. الشجاعة ليست تهورًا، والحلم لا يعفيك من واجباتك.
لكن اسأل نفسك بصدق:
هل أنا متمسك بهذا العمل لأنه يناسبني، أم لأنني خائف من البدء؟
هل أقول «أنا مضطر» لأنني فعلًا مضطر، أم لأنني تعودت على الخوف؟
هل أحتاج إلى الاستقرار، أم أنني أستخدم كلمة الاستقرار لأخفي أنني استسلمت؟
هناك فرق بين أن تختار البقاء، وأن تكون عاجزًا عن المغادرة.
الاختيار يمنحك كرامة حتى لو كان صعبًا.
أما الاستسلام، فيجعلك تقضي سنواتك تدافع عن قفصك لأنك اعتدت على شكله.
ربما سألنا أنفسنا السؤال الخطأ طوال الوقت.
سألنا: ما الوظيفة الأعلى؟ ما الراتب الأكبر؟ ما اللقب الذي سيجعل الناس تنظر إلينا بإعجاب؟
لكن السؤال الأهم قد يكون:
«أي نوع من الناس أريد أن أكون وأنا أعيش هذه الحياة؟»
هل تريد أن تكون حاضرًا مع أولادك؟
هل تريد أن تستيقظ وفي قلبك مساحة لشيء تحبه؟
هل تريد أن تنجز شيئًا يشبهك، حتى لو لم يصفق له الجميع؟
هل تريد أن تكون قادرًا، في آخر يوم من عمرك، على تذكر لحظات عشتها فعلًا، لا مجرد سنوات مرّت لأنك كنت مشغولًا؟
الحياة ليست سيرة ذاتية فقط.
ليست قائمة إنجازات، ولا حسابًا مصرفيًا، ولا صورًا جميلة يراها الناس.
الحياة هي تلك اللحظات الصغيرة التي لا يراها أحد: ضحكة خرجت من قلبك، صباح لم تستيقظ فيه كارهًا، يد أمسكتها، أم احتضنتها، طفل انتظر عودتك فوجدك، وشيء صنعته بيديك فشعرت أن لك أثرًا في هذا العالم.
لن تشعر أنك مستعد تمامًا.
لن تختفي كل المخاوف.
لن يضمن لك أحد النجاح.
لن يصفق لك الجميع. بعضهم سيقول إنك تغيرت، وبعضهم سيذكرك بكل ما قد تخسره، وبعضهم سيضحك على حلمك لأنه لا يملك حلمًا يضحك عليه.
لكن اسمع قلبك هذه المرة.
لا تتركه يموت تحت ركام النصائح.
ابدأ بساعة في الأسبوع.
اكتب صفحة.
تعلم مهارة.
اتصل بشخص يعرف الطريق.
ادخر مبلغًا صغيرًا.
اصنع نموذجًا أوليًا.
عد إلى الشيء الذي أحببته قبل أن تقنعك الدنيا بأنه لا قيمة له.
لا تسأل: «ماذا لو فشلت؟» فقط.
اسأل أيضًا: «ماذا لو نجحت؟»
واسأل السؤال الذي ننساه غالبًا:
«ماذا سيحدث لي إذا لم أحاول أبدًا؟»
قد تنجو من الفشل، لكنك ستظل تحمل داخلك نسخة صامتة من السؤال، وستكبر وهي تكبر معك.
ربما لن تستطيع أن تغير حياتك كلها الآن.
ربما لديك أطفال، وديون، ومسؤوليات، وأهل يعتمدون عليك. وربما لا تملك رفاهية القفز، وهذا مفهوم تمامًا.
لكن حتى وأنت باقٍ في مكانك، تستطيع أن تبدأ في العودة إلى نفسك.
لا تؤجل كل ما تحب إلى «وقت مناسب» قد لا يأتي.
لا تجعل حياتك مشروعًا مؤجلًا إلى أن تنتهي من كل شيء؛ لأن كل شيء لا ينتهي.
افسح لنفسك مكانًا صغيرًا بين الواجبات.
عُد إلى صوتك.
تذكر من كنت قبل أن تخاف من رأي الناس.
وتذكر أن النجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى مكان يراه الآخرون عظيمًا، ثم تكتشف أنك لم تعد تعرف الشخص الذي وصل.
النجاح الحقيقي أن تصل، وتجد نفسك هناك.
أن تملك بيتًا، لكن لا تفقد دفء البيت.
أن تكسب مالًا، لكن لا تخسر قلبك.
أن تنجح في عملك، دون أن تصبح غريبًا عن أحلامك.
وفي ليلة هادئة، عندما تجلس وحدك، وتسألك روحك السؤال القديم، لا تضطر هذه المرة إلى تغيير الموضوع.
قل لها:
«يمكن ماوصلتش لكل اللي نفسي فيه… بس بدأت أرجع لك.»
فربما لا تكون الحياة التي تريدها بعيدة كما تظن.
ربما هي تحت كل تلك الطبقات من الخوف، والتأجيل، وكلام الناس.
ربما تنتظرك في خطوة صغيرة.
في قرار صادق.
في باب تفتحه بعد سنوات.
في حلم تخرجه من الدرج.
وفي شجاعة بسيطة تقول بها لنفسك، للمرة الأولى منذ زمن طويل:
أنا لا أريد أن أعيش حياة تبدو ناجحة فقط… أريد حياة أشعر وأنا أعيشها أنني حي.





