وعد بلفور الإعلامي: كيف تنهش دكاكين السبوبة قدسية الثقافة وتصنع الجهل المقدس؟

وعد بلفور الإعلامي:
كيف تنهش دكاكين السبوبة قدسية الثقافة وتصنع الجهل المقدس؟
كتب /م إميل عجبان
في زمن باتت فيه الشاشات تتلألأ ببريق زائف، وتضج منصات التواصل الاجتماعي بضجيج أجوف، كان يُفترض أن يكون الإعلام والثقافة صمام أمان للوعي، وحصنًا منيعًا ضد التزييف. ولكن، هل تأملنا يومًا كيف تحولت هذه المنارات إلى سراب، وهذا الحصن إلى ثغرة واسعة، تُمنح فيها صكوك الغفران الثقافي لمن لا يملك، وتُسلب فيها قدسية الإبداع ممن يستحق؟ إنها ليست مجرد فوضى عابرة، بل هي وعد بلفور إعلامي بامتياز، يمنح فيه من لا يملك (المنظمون غير المتخصصين) لمن لا يستحق (نخب السبوبة)، ليصنعوا معًا “الجهل المقدس” ببراعة شيطانية.
لقد صدق من قال: “إذا وجدت أن الساحة الثقافية تضج بـ ‘صالونات الدروع والشهادات’ الوهمية، بينما العقول المبدعة تئن في الظل… فالمشكلة ليست في غياب المواهب، بل في ‘عصابات السبوبة’ التي حولت الثقافة إلى سلعة رخيصة، والتقدير إلى استعراض طبقي”. هذه ليست مجرد كلمات، بل هي صرخة مدوية في وجه واقع ثقافي وإعلامي مرير، حيث تُوأد الأفكار النيرة، وتُهدر الطاقات الفكرية، وتُدفن الكفاءات الحقيقية تحت أنقاض “البروباجندا” الرخيصة و”التريندات” العابرة، التي لا تخدم سوى جيوب المنظمين غير المتخصصين.
“عصابات السبوبة” الإعلامية والثقافية، في بدايتها، قد تكون مجرد مبادرات فردية، ولكنها سرعان ما تتحول إلى ورم خبيث، إلى “عصابة متكاملة الأركان”، عندما تتجاوز حدود المهنية لتتحكم في شرايين المشهد الثقافي والإعلامي: التكريمات، الجوائز، وحتى معايير التقدير. هذه العصابات لا تكتفي بالاستحواذ على الأضواء والمغانم، بل تمارس “إبادة منظمة” لكل صوت حر يهدد وجودها أو يكشف زيفها. إنها تبني جدرانًا من التضليل والصمت، وتُخضع الجميع لمنطقها الأعوج، حيث الولاء الأعمى للرأي السائد هو العملة الوحيدة الرائجة، والكفاءة الفكرية هي تهمة تستوجب الإقصاء.
ولكن الكارثة الكبرى تتجلى عندما تتسلل هذه “العصابات” إلى حصون الثقافة والمعرفة، إلى تلك المنصات التي تحمل على عاتقها أمانة بناء العقول وتنوير الأجيال. هنا، لا يقتصر الأمر على تدمير الكفاءات وإهدار الموارد، بل يتعداه إلى “تدنيس” قدسية الكلمة الصادقة، وتحويلها إلى أداة لتلميع أنصاف الموهوبين، وتزييف الحقائق، ونشر الجهل تحت غطاء “التحليل” و”الرأي”. فكم من حقيقة تم تغييبها في زحام “الشو”، وكم من صوت واعٍ لم يجد منصة، لأن “العصابة” كانت مشغولة بتسويق التفاهة، أو بتمرير أجندات مشبوهة تحت جنح الأضواء الكاذبة، مستغلة غياب الرقابة الحقيقية، وهالة “الإعلام” التي تحيط بها.
وفي هذا السياق، تبرز منصات التواصل الاجتماعي كساحة جديدة لـ “نخب الشو”، حيث تتجلى “الاستعراضات الطبقية” المقيتة، وتُقام “التكريمات المشبوهة” التي ترفع من شأن التافهين على حساب المبدعين. هنا، تتحول الشاشات الصغيرة إلى “صناديق سوداء” تدخل بها الأموال وتُسجل بها التفاعلات الزائفة، دون رقيب أو حسيب، لتصبح نهبًا لـ “العصابات الإعلامية” التي تتاجر بالوعي وتصنع الجهل المقدس، مستغلة سهولة الانتشار وغياب المعايير الحقيقية. والأدهى من ذلك، أن هذه “الصالونات” الوهمية، التي تمنح الدروع والشهادات لمن يدفع، تعمل في غياب تام لمسؤولي الثقافة، ودون أي تشريعات تلزم منظميها باستخراج تصاريح. إنهم يبيعون الوهم، ويجمعون فرق الاشتراك والتصوير أثناء “التكريمات” الباهتة، في مشهد يذكرنا بوعد بلفور، حيث يُعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، وتُدنس قدسية الثقافة على مرأى ومسمع الجميع.
لقد كان لنا في الماضي القريب، زمن كانت فيه الدولة تُعلي من شأن الإبداع الحقيقي، وتُكرم أهله بأوسمة رفيعة كـ “وسام الجمهورية”، تُمنح للمبهرين في مختلف فروع الثقافة والفن والعلم، بعد تمحيص وتدقيق من لجان متخصصة. كانت المهرجانات والمسابقات الثقافية والفنية والعلمية محافل حقيقية للاحتفاء بالتميز، لا دكاكين لبيع الأوهام. ولكن، أين نحن اليوم من تلك الأيام؟ لقد اندثرت تلك المهرجانات العريقة، وحلت محلها “صالونات” هزيلة، لا هم لها سوى جمع الأموال وتلميع الوجوه الباهتة، في غياب مطبق لأي معايير أو رقابة. تحولت الثقافة من قيمة عليا إلى سلعة رخيصة، تُباع فيها “الشهادات” لمن لا يستحق، وتُمنح “الدروع” لمن لا يملك من الإبداع شيئًا، في مشهد عبثي يدمي القلب.
إن التجارب العالمية تقدم لنا نماذج صارمة في حماية الألقاب والجوائز الثقافية والأكاديمية. ففي فرنسا، على سبيل المثال، تُعد الألقاب الفخرية والجوائز الثقافية محمية بقوانين صارمة تضمن مصداقيتها وتمنع استغلالها. وتخضع الأكاديميات والمؤسسات المانحة لرقابة مشددة لضمان أن التكريم يُمنح بناءً على إنجازات حقيقية ومساهمات فعلية، وليس مجرد “شو” إعلامي. وفي المملكة المتحدة، يتم تنظيم نظام الأوسمة الملكية بدقة متناهية، حيث تمر الترشيحات بعمليات تدقيق وتمحيص معقدة من قبل لجان متخصصة تابعة لمكتب مجلس الوزراء، لضمان أن التكريم يذهب لمن يستحقه فعلاً، وأن قيمته لا تُبتذل. هذه الدول تدرك أن حماية قيمة الألقاب والجوائز هي حماية للثقافة ذاتها، وللإبداع الحقيقي، وللوعي الجمعي. فهل نتعلم من هذه التجارب، أم نترك “وعد بلفور الإعلامي” ينهش في جسد ثقافتنا حتى الفناء؟
تتجلى الفروقات الجوهرية بين زمن الأوسمة الرفيعة ودكاكين الدروع البلاستيكية في عدة جوانب محورية. ففي الزمن الذي كانت فيه الأوسمة رفيعة، كان الهدف الأسمى هو تقدير الإبداع الحقيقي والمساهمات المؤثرة، بينما في زمن دكاكين الدروع البلاستيكية، ينحصر الهدف في تحقيق الربح المادي وتلميع الوجوه الباهتة. أما المعايير، فكانت في السابق تعتمد على تمحيص وتدقيق صارم من لجان متخصصة، في حين أنها اليوم تتسم بالغياب التام للمعايير أو تعتمد على معايير شكلية مرتبطة بالدفع المادي.
وفيما يخص الجهة المانحة، كانت الدولة والمؤسسات الرسمية المرموقة هي من تمنح الأوسمة الرفيعة، بينما أصبحت اليوم كيانات غير رسمية، تُعرف بـ “عصابات السبوبة”، هي من تمنح الدروع البلاستيكية. هذا التباين ينعكس بوضوح على القيمة والصدقية؛ فالأوسمة الرفيعة كانت تحمل قيمة عالية وتُعد رمزًا للتميز والإنجاز الحقيقي، أما الدروع البلاستيكية فقِيمتها متدنية وتُعد رمزًا للوهم والتزييف.
أما التأثير على الثقافة، فكانت الأوسمة الرفيعة تُسهم في تعزيز الإبداع، بناء الوعي، وتقدير الكفاءات، في حين أن دكاكين الدروع البلاستيكية تؤدي إلى تهميش المبدعين، نشر التفاهة، وتدمير الوعي العام.
تقدم التجارب العالمية نماذج صارمة في حماية الألقاب والجوائز الثقافية والأكاديمية، والتي يمكن أن تكون مصدر إلهام لنا لإصلاح هذا الخلل. تُعد التجربة الفرنسية مثالاً بارزًا في هذا الصدد:
1. الحماية القانونية للألقاب والدرجات: في فرنسا، تُعد الألقاب الفخرية والجوائز الثقافية محمية بقوانين صارمة تضمن مصداقيتها وتمنع استغلالها. كما أن الدولة تحتكر منح الدرجات والألقاب الجامعية، مما يمنع تداول الشهادات الوهمية . يُعاقب القانون الفرنسي على “انتحال الألقاب”، حيث يمكن أن تصل الغرامات إلى 10 آلاف يورو لمن يرتدي أوسمة أو يدعي ألقابًا لم يحصل عليها بشكل قانوني .
2. رقابة صارمة على المؤسسات المانحة: تخضع الأكاديميات والمؤسسات المانحة للجوائز لرقابة مشددة لضمان أن التكريم يُمنح بناءً على إنجازات حقيقية ومساهمات فعلية، وليس مجرد “شو” إعلامي .
3. لجان متخصصة ومستقلة: تعتمد فرنسا على لجان متخصصة ومستقلة لتقييم المرشحين للأوسمة والجوائز، مثل وسام جوقة الشرف ووسام الاستحقاق الوطني، مما يضمن الشفافية والنزاهة في عملية الاختيار .
بناءً على هذه التجارب، يمكن اقتراح الحلول التالية:
• سن تشريعات صارمة: يجب سن قوانين تُجرم “انتحال الألقاب” وبيع الشهادات والدروع الوهمية، وتُفرض عقوبات رادعة على المخالفين. يجب أن تُحدد هذه التشريعات المعايير الواضحة لمنح أي تكريم أو شهادة.
• تفعيل دور المؤسسات الرسمية: يجب أن تستعيد المؤسسات الثقافية والأكاديمية الرسمية دورها المحوري في منح الأوسمة والجوائز، وأن تُشكل لجانًا مستقلة من الخبراء لتقييم الإنجازات.
• الرقابة على الفعاليات الثقافية: إلزام منظمي الفعاليات الثقافية والإعلامية باستخراج تصاريح واضحة، وتحديد معايير مهنية صارمة لضمان جودة المحتوى وصدقية التكريمات .
• توعية الجمهور: إطلاق حملات توعية للجمهور بخطورة “دكاكين السبوبة” وأهمية التمييز بين التكريمات الحقيقية والوهمية.
كانت المهرجانات الوطنية، مثل “عيد الفن” في مصر، تمثل محطات مهمة في تاريخ الثقافة، حيث كانت تُكرم رموز الإبداع في مختلف المجالات وتُمنح خلالها أرفع الأوسمة. لقد كان “عيد الفن”، الذي بدأ الاحتفال به في عهد الرئيس أنور السادات عام 1976، مناسبة وطنية للاعتراف بقيمة الفن المصري وأثره . ومع ذلك، شهدت هذه المهرجانات تراجعًا أو اندثارًا لفترات طويلة، مما أدى إلى غياب منصات التكريم الرسمية التي كانت تُعلي من شأن الإبداع الحقيقي .
إن اندثار هذه المهرجانات ترك فراغًا استغلته “عصابات السبوبة” لتقديم بدائل زائفة، مما أثر سلبًا على المشهد الثقافي والإعلامي. إعادة إحياء هذه المهرجانات، بمعاييرها الصارمة ولجانها المتخصصة، يمكن أن يُسهم بشكل كبير في استعادة قدسية التكريم وتوجيه الأنظار نحو المبدعين الحقيقيين.
لننظر إلى ظاهرة “الإعلامي النجم” أو “المؤثر الثقافي” الذي لا يملك من أدوات المهنة سوى صوته العالي وطلته البراقة أو الممول للأوسمة والدروع المعروف باسم سبونسر البانر. لم يكن مجرد خطأ في التقييم، بل كان نتيجة لثقافة إعلامية مسمومة، حيث “ثقافة الترفيه” و”الولاء الأعمى” للمشاهدات أدت إلى تواطؤ ممنهج في تهميش المحتوى الهادف. أناس، كان من المفترض أن يكونوا حراس الحقيقة والنزاهة، وجدوا أنفسهم مجبرين على الانصياع لأوامر “العصابة الإعلامية” التي فضلت الأرباح السريعة والشهرة الزائفة على السمعة والمبادئ.
النتيجة كارثية: جيل كامل يتغذى على معلومات مغلوطة، وتدمير للوعي، وفقدان للثقة لا يزال صداه يتردد حتى اليوم. لم تكن المشكلة في غياب المعايير، بل في تحولها إلى مجرد أوراق يُعبث بها تحت وطأة “الولاءات” التي فاقت كل اعتبار.
لقد آن الأوان لـ “صدمة” حقيقية، لثورة إعلامية وثقافية لا تبقي ولا تذر. صدمة تعيد الاعتبار للمهنية كـ “دستور” لا يمس، وللكفاءة كـ “معيار” لا يُساوم عليه، وللحقيقة كـ “قيمة” عليا لا تُقهر. يجب أن تُكسر قيود “عصابات السبوبة”، وتُفضح ممارساتها، ويُحاسب كل من يضع مصالحه الشخصية فوق مصلحة الوطن والمجتمع والإنسان. يجب أن تُسن التشريعات التي تلزم منظمي الفعاليات الثقافية والإعلامية باستخراج تصاريح واضحة، وتحديد معايير مهنية صارمة، لإنهاء فوضى “دكاكين الدروع” التي تبيع الوهم وتدنس قدسية الثقافة.
إن مستقبل أجيالنا، ونهضة أوطاننا، وكرامة إنسانيتنا، مرهون بقدرتنا على اجتثاث هذا الداء من جذوره. لنجعل من إعلامنا وثقافتنا منارات للوعي، ومحاضن للإبداع، ومنابر للحقيقة، لا أوكارًا تُدفن فيها العقول، ولا بؤرًا تُدنس فيها القيم. فالأوطان لا تنهض إلا بإعلام وثقافة قوية، وإعلام وثقافة قوية لا تُبنى إلا على أكتاف الكفاءات، لا على ولاءات “عصابات السبوبة” التي تبتلع كل شيء وتترك وراءها الجهل المقدس، وتمنح “وعود بلفور” إعلامية تنهش في جسد الأمة.





