المقالاتتكنولوجيا و إتصالات

الوصم الرقمي

الوصم الرقمي

‏بقلم: دينا عامر

‏بنقرة زر واحدة في جزء من الثانية قد تنتهي حياة امرأة بالكامل دون أن تسلب روحها جسديا
‏حيث تحولت الشاشات الافتراضية في عصرنا المتسارع إلى مقاصل غير مرئية تواجه فيها الضحية عقوبة سجن أبدي بمجرد تسريب أو فبركة محتوى خاص بها
‏وهو ما يضعنا أمام مفارقة قانونية وإنسانية مريرة تتجاوز مجرد فكرة معاقبة المبتز إلى البحث في المصير الرقمي للضحية بعد صدور الحكم القضائي
‏وإذا نظرنا إلى واقعنا التشريعي في مصر سنجد أن المشرع قد خطى خطوات جادة بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 الذي يتيح حجب المواقع المسيئة وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 الذي أقر حق المحو إلا أن التطبيق العملي يكشف عن فجوة تكنولوجية كبرى فالحجب يظل إجراءا جغرافيا محليا يمكن تجاوزه بسهولة عبر الشبكات الافتراضية بينما ينصرف حق المحو في جوهره إلى البيانات الإدارية والتجارية دون أن يمتلك آلية تنفيذية تلزم عمالقة التكنولوجيا ومحركات البحث العالمية بمحو المواد المرئية والابتزازية نهائيا
‏هذا العجز التقني يترجم على أرض الواقع إلى حكم مؤبد بالوصم الاجتماعي ويقود الضحية إلى ما يمكن تسميته بالموت المدني حيث تفرغ العقوبة الجنائية من معناها عندما تجد المرأة نفسها عاجزة عن التقدم لوظيفة أو بناء علاقات إنسانية طبيعية أو حتى السير في الشارع دون التوجس من نظرة مجتمعية تلاحقها بسبب محتوى متاح للأبد على الشبكة العنكبوتية
‏لتصبح الضحية مسجونة في ماضيها بينما يتحرك الجاني بحرية بعد قضاء عقوبته المؤقت
‏ولتجاوز هذا المأزق لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة بل يكفي أن ننظر إلى التجارب الدولية الناجحة وعلى رأسها اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR) والتي رسخت حق النسيان الرقمي كحق إنساني أصيل يجبر محركات البحث العالمية مثل جوجل على إلغاء أرشفة الروابط المسيئة بناء على طلب الأفراد مما يثبت أن الحذف الكامل ليس مستحيلا تقنيا بل يحتاج فقط إلى إرادة تشريعية تفرض سيادتها القانونية
‏ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لأن يتبنى المشرع العربي هذه الفلسفة الحديثة عبر صياغة بروتوكولات إلزامية مع شركات التقنية العالمية تفرض توفير آليات تقنية سريعة مثل أزرار الإبلاغ الطارئ لحذف المحتوى الإباحي أو التشهيري فورا قبل انتشاره السريع بالتوازي مع يقظة مجتمعية واعية تتوقف عن جلد الضحية وتحتضنها كإنسانة تعرضت للاعتداء
‏لأن العدالة الحقيقية لا تكتمل بمجرد إلقاء المجرم خلف القضبان بل تبدأ عندما ننزع سيف الوصم الرقمي المسلط على عنق الضحية ونمنحها حقها الطبيعي في بدء حياة جديدة طاهرة وبلا قيود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى