أسرة و مجتمع

كسر الخواطر.. سقوط اخلاقي كامل ترتكبه قلوب ماتت الرحمة في داخلها بدم بارد.

كسر الخواطر.. سقوط اخلاقي كامل ترتكبه قلوب ماتت الرحمة في داخلها بدم بارد.

بقلم: د. إيمان محمد احمد إسماعيل

ليست كل الجرائم مما تراه العين، ولا كل الوحشية مما يسمع لها صراخ. هناك نوع من الاذى اشد قذارة من الصفعات، واشد فتكا من الشتائم المباشرة، لانه لا يهشم الوجه بل يهشم ما وراءه، ولا يسيل الدم على الارض بل يسيله في الداخل حيث لا شهود ولا اسعاف ولا محاضر. هذا هو كسر الخواطر: ذلك السقوط الاخلاقي الكامل الذي لا يرتكبه الا من ماتت الرحمة في داخله، وبقي يتحرك بين الناس في هيئة انسان.

كسر الخواطر ليس زلة لسان، وليس طبعا حادا، وليس صراحة زائدة كما يحلو لبعض الوقحين ان يسموا انحطاطهم. كسر الخاطر فعل خسيس مكتمل الاركان، يختار فيه شخص ما ان يطعن روحا لا تدافع عن نفسها بالسلاح، وان يهين قلبا جاءه غالبا عاريا من الحذر، محملا بالثقة، منتظرا قدرا يسيرا من الانسانية، فيقابله ببرودة الجلاد، او بغطرسة الفارغ، او بوقاحة من اعتاد العبث بمشاعر الناس ثم النوم بهدوء.

ابشع ما في الامر ان من يكسر الخواطر لا يفعل ذلك دائما في لحظة انفجار، بل يفعله احيانا بهدوء بارد يثير الاشمئزاز. كلمة محسوبة، تجاهل مقصود، سخرية مغلفة بابتسامة، تقليل متعمد من انسان يعرف تماما مقدار ما يشعر به. كأن بعض البشر لا يكتفون بان يكونوا سيئين، بل يتفننون في اخراج سوءهم بصورة مهذبة، حتى تبدو الجريمة خفيفة على اعين المتفرجين، بينما تظل في صدر الضحية كالحجر الذي لا يزاح.

هناك بشر اذا امنتهم على ضعفك، استعملوه ضدك. واذا منحتهم صدقك، جعلوا منه مادة للاهانة. واذا اقتربت منهم بقلب نظيف، قابلوك بعقلية السوق، يزنون المشاعر بميزان النفع، ويعاملون الوفاء كغفلة، والطيبة كقابلية للاستباحة. هؤلاء لا يخطئون في الناس فحسب، بل يفضحون خواءهم الداخلي على نحو مقزز. لان الانسان الشريف قد يرفضك، لكنه لا يسحقك. قد يبتعد، لكنه لا يلوث انسانيته وهو يفعل ذلك. اما المنحدر اخلاقيا فهو الذي يجد في اذلال الاخرين لذة خفية، وفي كسرهم شعورا بسلطة رخيصة لا يملك غيرها.

ومن اكثر الاكاذيب رخصا تلك التي يرددها مؤذو القلوب بعد كل جرح: لم اقصد، انت حساس، لا تكبر الموضوع، هذه حقيقتي، انا صريح. والحقيقة ان هذه العبارات ليست سوى خرقة بالية يحاولون بها تغطية عريهم الاخلاقي. فالصراحة التي تذبح ليست فضيلة، والوضوح الذي يحطم ليس شجاعة، والطبع الذي يبرر القسوة ليس طبع رجل صادق، بل عجز انسان فاشل عن تهذيب نفسه. ليس من البطولة ان تقول ما تشاء كيفما تشاء، البطولة الحقيقية ان تملك القوة على الجرح ثم تمتنع، وان تملك القدرة على القسوة ثم تختار ان تبقى انسانا.

كسر الخواطر لا يصنع فقط لحظة حزن عابرة، بل يخلق شروخا عميقة في ثقة الانسان بنفسه وبالناس. قد تمر الكلمة على قائلها كما تمر الريح، لكنها تستقر في صدر الاخر كالشظية. يعيدها مرة بعد مرة، يحلل نبرتها، يفتش عن السبب، يحاكم نفسه، ويستهلك روحه في اسئلة لا تنتهي: لماذا فعل ذلك؟ ماذا كان ينقصني؟ لماذا كان الاذى بهذا البرود؟ وهنا تبلغ القسوة ذروتها: حين لا يكتفي الجارح بجرحك، بل يدفعك دفعا الى الوقوف ضد نفسك، فتتحول من ضحية الى متهم، ومن انسان موجوع الى انسان يشك في قيمته.

ولان هذا النوع من الاذى لا يترك كدمة ظاهرة، يظن الاغبياء انه بسيط. لا يفهمون ان بعض الناس يعودون من موقف واحد وهم اقل حياة مما كانوا عليه قبل دقائق. يجلسون بين اهلهم باجسادهم، لكن شيئا فيهم يكون قد انطفأ. يبتسمون مجاملة، يردون الكلام، يكملون يومهم، لكن داخلهم خراب صامت. خراب لا يسمعه احد، ولا يقدره الا من عرف كيف يمكن لجملة واحدة ان تهدم سنوات من الترميم الداخلي.

والاشد مرارة ان كسر الخواطر لا يأتي غالبا من الغرباء، بل من الذين دخلوا القلوب من باب الامان. من صديق منحناه مكانة لم يستحقها، من قريب تصورنا ان القرب يردعه، من شخص وثقنا به اكثر مما ينبغي، فاذا به يتحول من ملجأ الى جرح. وهنا لا يكون الالم الما عاديا، بل يكون صدمة انكشاف. صدمة ان تعرف ان الوجوه المطمئنة ليست دائما رحيمة، وان بعض من جلسوا قريبا من قلبك لم يكونوا اهلا لحرمة ذلك المكان.

ليس ساقط الاخلاق فقط من يسرق مالا او يكذب علنا او يخون عهدا مكتوبا. السقوط الحقيقي قد يظهر ايضا في الطريقة التي يتعامل بها المرء مع قلب بين يديه. من يستهين بدمعة، من يسخر من خوف، من يعاقب بالصمت وهو يعرف اثره، من يطعن في لحظة ضعف، من يراقب انكسارك ثم يكمل حديثه كأن شيئا لم يكن، فهذا لا ينقصه التهذيب فقط، بل ينقصه اصل الانسانيه من جذره. هذا انسان اختارت روحه ان تتعفن، ثم خرج الى الناس بثياب نظيفة ولسان مرتب ووجه اجتماعي مقبول.

والمفزع ان العالم كثيرا ما يجامل هذا النوع من البشر. يمرر لهم القسوة تحت اسم القوة، ويمنحهم اعذارا مجانية، ويصف من تالم بانه هش او مبالغ. كأن المطلوب من القلب كل مرة ان يتحمل، ومن المكسور كل مرة ان يسكت، ومن الضحية ان تكون مهذبة حتى في وجعها. وهذه مهزلة اخلاقية كاملة، لان المجتمع الذي يهون من تحطيم النفوس، مجتمع يشارك في الجريمة ولو بالصمت. ليس كل فساد في دفاتر الدولة، بعضه يسكن في البيوت والعلاقات والصداقات والرسائل الباردة والعبارات الصغيرة التي تبدو عادية وهي في حقيقتها مسالخ يومية للمشاعر.

الانسان النبيل يعرف ان للقلوب حرمة. يعرف ان الكلمة قد ترفع انسانا من حافة الانهيار، وقد تدفعه اليه. يعرف ان الرحمة ليست ترفا، بل الحد الادنى من الكرامة التي يجب ان يحملها المرء في معاملته للناس. لذلك فهو حتى في غضبه لا يتوحش، وحتى في رفضه لا يهين، وحتى في خصومته لا ينسلخ من انسانيته. اما من يجعل من القسوة اسلوبا، ومن تحطيم الخواطر عادة، ومن ايلام الناس وسيلة لاثبات حضوره، فهذا لا يستحق ان يوصف بالقوي، بل بالمجرد من الرحمة، الفارغ من النبل، الغارق في انحطاط لا تزينه العبارات.

ولنقلها بلا تجميل: كسر الخواطر ليس مجرد سوء معاملة، بل قذارة روحية. هو علامة واضحة على ان شيئا اساسيا قد تعفن في الداخل. لان الانسان السوي قد يخطئ، نعم، لكنه يرتبك امام الم الاخر، يشعر بالذنب، ويحاول الاصلاح. اما الذي يجرح ثم يبرر، ويهين ثم يتعالى، ويكسر ثم يطالبك بالهدوء، فهذا لا يواجهنا بخطأ عابر، بل بطبيعة مشوهة ترى في مشاعر الناس شيئا قابلا للدوس.

في النهاية، ليس كل من يلبس الاحترام محترما، ولا كل من اتقن الكلام يملك قلبا، ولا كل من بدا طبيعيا يستحق الامان. فبعض الناس يمرون في حياة غيرهم كالعفن: لا يتركون اثرا ظاهرا في البداية، لكنهم يفسدون ما يلمسونه من الداخل. ولهذا كان كسر الخواطر واحدا من اكثر اشكال السقوط الاخلاقي بشاعة، لانه يرتكب غالبا بلا خوف، ويمارس بلا خجل، ويدفع ثمنه دائما الطرف الانظف قلبا.

كسر الخواطر ليس حادثا صغيرا في زحام الايام، بل اختبار حقيقي لما اذا كان في الانسان بقية ضمير. ومن يفشل في هذا الاختبار لا تنقصه اللباقة فقط، بل تنقصه الرحمة، ومن ماتت الرحمة في داخله لم يعد مؤهلا لان يتباهى باخلاق، ولا بانسانية، ولا حتى بادعاء انه لم يكن يقصد. فبعض الافعال لا تحتاج الى نية معلنة كي تدين صاحبها، يكفي انها تركت خلفها قلبا مكسورا، ونفسا مثقلة، وروحا تعلمت متأخرة ان اقسى ما في الدنيا ليس العداء الصريح، بل القرب حين يتحول الى وسيلة اذى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى