المقالاتسياسة

من البنتاجون إلى الأوكتاجون.. مصر تكتب فصلًا جديدًا في فن القيادة والسيطرة

من البنتاجون إلى الأوكتاجون.. مصر تكتب فصلًا جديدًا في فن القيادة والسيطرة

لواء دكتور/ سمير فرج

لعلها هدية من الله أن يمد في عمري لأشهد احتفال مصر يوم السبت 4 يوليو، عندما افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون” بالعاصمة الإدارية الجديدة، لتصبح مصر رابع دولة في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين، تمتلك مركز قيادة إستراتيجيًا بهذا المستوى.
وهذا الأسبوع أعلنت وزارة الدفاع التركية أنها بصدد إنشاء مركز قيادة إستراتيجي، لتصبح تركيا الدولة الخامسة عالميًا التي تمتلك هذا النوع من مراكز القيادة الإستراتيجية، بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين ومصر، وهو ما يؤكد أن هذا الفكر العسكري أصبح من أحدث مفاهيم القيادة والسيطرة في الجيوش الحديثة.
وقد حرص الرئيس السيسي على حضور الافتتاح مرتديًا الزي العسكري بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، في رسالة واضحة للشعب المصري بأن لديه قوات مسلحة تمتلك أحدث وسائل القيادة والسيطرة واتخاذ القرار باستخدام التكنولوجيا الحديثة، ورسالة أخرى إلى الخارج بأن مصر تمتلك قوة عسكرية حديثة قادرة على حماية أمنها القومي.
وأكد الرئيس في كلمته أن مصر اختارت السلام خيارًا إستراتيجيًا، لكنها في الوقت نفسه مستعدة للدفاع عن أمنها القومي بكل قوة إذا تعرض لأي تهديد.
وكلمة “الأوكتاجون” هي كلمة يونانية تعني “المبنى ثماني الأضلاع”، وهو التصميم الذي أقيم عليه مقر القيادة الإستراتيجية المصرية، بينما يحمل مقر وزارة الدفاع الأمريكية اسم “البنتاجون” أي “المبنى خماسي الأضلاع”.
وتعود فكرة إنشاء هذا الصرح إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لروسيا عندما كان وزيرًا للدفاع، حيث اصطحبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة مقر القيادة الإستراتيجية الروسية، وكان السيسي أول مسؤول أجنبي يزور هذا المركز، لتبدأ بعدها فكرة إنشاء قيادة إستراتيجية مصرية حديثة.
ويقع مقر القيادة الإستراتيجية على مساحة 22 ألف فدان، ويتكون من ثمانية مبانٍ رئيسية يربط بينها نظام متكامل للاتصالات، إضافة إلى مبنيين داخليين، ويضم جميع قيادات وأفرع القوات المسلحة المصرية من القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، بعد أن كانت هذه القيادات موزعة في أماكن مختلفة داخل القاهرة وبالتالي كان من الصعب الدفاع عنها وتأمينها.
وجاء اختيار موقع المركز في العاصمة الإدارية الجديدة بين القاهرة وقناة السويس، وخارج خطوط الطيران المدني، بما يحقق سهولة انتشار القوات، ويتيح في الوقت نفسه وضع خطة دفاعية متكاملة لحماية المركز، الذي أصبح أحد أهم الأهداف الإستراتيجية في مصر، ويعامل في التأمين بنفس مستوى حماية السد العالي.
وقد استفادت القيادة المصرية من دروس الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، خاصة في مجالات تأمين الاتصالات والقيادة والسيطرة، ومنع أعمال التشويش أو الاختراق الإلكتروني، لذلك زُود المركز بأحدث وسائل الاتصالات العالمية، مع أنظمة حماية سيبرانية متقدمة، وتأمين كامل لقواعد البيانات وشبكات المعلومات.
كما تعتمد منظومة القيادة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف أي محاولات اختراق إلكتروني، بينما جرى عزل شبكات الاتصالات بالكامل داخل أنفاق تحت الأرض، مع تطبيق بروتوكولات أمنية صارمة لمنع أي ثغرات، وإنشاء مراكز قيادة بديلة في أماكن مختلفة يتم الانتقال إليها في حالات الطوارئ.
ولا يقتصر دور القيادة الإستراتيجية على إدارة العمليات العسكرية فقط، بل يمتد أيضًا إلى إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية، مثل السيول والزلازل وحوادث البنية الأساسية، حيث يمتلك مركز إدارة الأزمات قواعد بيانات متكاملة عن مختلف وزارات ومحافظات الدولة، ويضع سيناريوهات مسبقة للتعامل مع مختلف الأزمات، والتهديدات الأمنية، والسيبرانية، والعسكرية.
ولقد كان من أهم أولويات إنشاء هذا المركز هو إعداد الكوادر التي تعمل فيه، من حيث استخدامها للأجهزة والأنظمة والتكنولوجيا الحديثة، وكذلك عمليات تأمين المركز خلال الأزمات. وقد استغرق تجميع بيانات كل الوزارات والهيئات والمنظمات داخل مركز معلومات المركز وقتاً طويلاً، لتكون هذه البيانات الأساس في اتخاذ أي قرار. كما يُطلب منه استخدام مفهوم الذكاء الاصطناعي (AI)، بما لا يُخل بمنظومة الأمن المختلفة.
ولقد جاءت تساؤلات كثيرة: هل تجميع قيادات القوات المسلحة في منطقة واحدة أمر سليم، خاصة أنه قد يترتب عليه أكبر خسائر في حالة التعرض لأي أعمال تخريبية؟ والرد أن هذا المركز يمتلك أكبر خطة دفاعية متكاملة ضد مختلف أنواع الاختراقات والهجمات الجوية والصاروخية، وحتى الهجمات السيبرانية. وأعتقد أن مثال “البنتاجون” في الولايات المتحدة يوضح هذا الفكر، وهو تجميع القيادات في مكان واحد مع توفير منظومة دفاع متكاملة من جميع العناصر.
ولا شك أنه بعد افتتاح هذا المركز سوف تتقدم القوات المسلحة المصرية في التصنيف العسكري العالمي، الذي تصدره مؤسسة “جلوبال فاير باورGlobal Fire Power – ” سنويًا، نظرًا لأن مصر أصبحت من الدول القليلة التي تمتلك مركز قيادة إستراتيجيًا بهذا المستوى.
إن مقر القيادة الإستراتيجية للقوات المسلحة يمثل نقلة نوعية في تاريخ الدولة المصرية، ويعكس رؤية مستقبلية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار وحماية الأمن القومي المصري لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى