المقالات

قصة الصحة النفسية في مصر.. وأزمة الإعلام بين الصدى والصورة

قصة الصحة النفسية في مصر.. وأزمة الإعلام بين الصدى والصورة

كتبت : إيمان محمد أحمد

في القاهرة، حيث تعلو مآذنها وتمتد أحياؤها، وُجدت المستشفيات والمدارس والجامعات، بل وُجدت استوديوهات الإعلام التي تملأ البيوت. لكن ثمّة “قلعة” مهملة في قلب هذه المدينة المزدحمة: قلعة الصحة النفسية، التي يرفض الكثيرون حتى الاعتراف بوجودها.

يحلو لنا في مصر أن نتباهى بأرقامنا القومية: يبلغ عدد سكاننا الآن قرابة 110 مليون نسمة، وتزداد يومًا بعد يوم. لكن وراء هذا الرقم الضخم، ثمّة أرقام أخرى لا ننظر إليها، أرقام لا تليق ببلد يسعى لدخول مصاف الدول المتقدمة.

لنبدأ بقصة رمزية أسميها “قصة القلعة المهجورة“:

في مدينة كبيرة، كانت هناك قلعة شامخة لا يعرفها أحد. أسوارها مغلقة، نوافذها مغلقة، والغبار يغطيها. الناس يمرون بجانبها يوميًا دون أن ينظروا إليها. في داخلها، أناس يصرخون بأعلى أصواتهم، لكن لا أحد يسمع شيئًا لأن الجدران كثيفة والشارع صاخب. في أحد الأيام، جاءت عائلة إلى باب القلعة تبحث عن ابنها المفقود. طرقوا الباب بشدة. خرج حارس وفتح لهم. دخلوا فوجدوا الأب وهم يبكون: ابنهم كان هناك كل هذا الوقت، يبكي ويصرخ، لكنهم لم يسمعوه أبدًا.

هذه القلعة المهجورة هي واقع الصحة النفسية في مصر. أناس يصرخون بأعلى أصواتهم في الداخل، لكننا في الخارج لا نسمعهم، لأننا لم ننتبه إلى وجود القلعة من الأساس. ولأن الإعلام، الذي يفترض أن يكون أداة للرصد والإضاءة، غالبًا ما يكون هو الآخر غافلاً أو مشاركًا في إطالة أمد الصمت.

ما هي الأرقام الحقيقية التي تخفيها تلك القلعة؟

تشير إحصاءات رسمية صادرة عن وزارة الصحة والسكان، واستنادًا إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية، إلى أن معدل انتشار المشكلات النفسية في مصر يتراوح بين 15% و35%، بحسب طبيعة الحالات والفئات العمرية المختلفة. وفي تصريحٍ لاحق، أكد وزير الصحة أن نسبة من يعانون من الاضطرابات النفسية في المجتمع المصري تبلغ 24%، مع تصدّر اضطرابات المزاج والقلق القائمة. هذا يعني أن حوالي واحد من كل أربعة مصريين يحتاج إلى دعم نفسي.

ومع ذلك، نجد أنفسنا أمام فجوة هائلة. بينما ينتشر المرض النفسي في مصر بمعدلات عالية، لا تتلقى الخدمة سوى نسبة لا تتجاوز 0.4% من المرضى الذين هم في أمس الحاجة إلى الرعاية. هذا ليس مجرد رقم، بل هو تعبير عن مأساة إنسانية. كم عدد المُقعدين في غرفهم؟ كم عدد الذين تحولوا إلى حالات إدمان؟ كم عدد الذين سقطوا دون أن يسمع أحد صرختهم؟

إليكم قصة رمزية أخرى، أسميها “قصة الرجل الذي بلع ألمه”:

رجل مصاب بآلام مزمنة في بطنه، يروي لأصدقائه أنه يعاني، فينصحه أصدقاؤه بأن “يبتلع” الألم، لأنه “ضعف” أن يشكو. يبتلع الرجل ألمه، ويواصل يومه. لكن مع الأيام، يتحول الألم إلى جرح داخلي نازف، ويدخل الرجل إلى المستشفى في حالة حرجة. الطبيب ينظر إليه بحسرة ويقول: “كان بإمكاننا علاجه بسهولة لو أخبرنا به من البداية”.

نعم، هذا هو حال الكثيرين. الوصمة المجتمعية تجعل المصري يتألم بصمت. يرفض طلب المساعدة خوفًا من نظرات المجتمع، فيتفاقم مرضه ويعود على الجميع بمشاكل أكبر.

إلى جانب ذلك، تواجه المنظومة الصحية المصرية أزمة حقيقية تتمثل في نقص حاد في عدد الأطباء النفسيين. تشير البيانات إلى وجود طبيب نفسي واحد تقريبًا لكل 50 ألف مواطن، مع تمركز معظمهم في القاهرة الكبرى والمدن الكبرى، بينما تعاني المحافظات الأخرى من شحّ شديد، بل يخلو بعضها تمامًا من أي طبيب نفسي مقيم. ومع وجود أقل من 1000 طبيب نفسي مسجلين رسميًا لخدمة 110 مليون مواطن، فإن الحاجة ملحة وماسة. هذا العجز الحاد يتسبب في جعل العلاج النفسي غير متاح للغالبية العظمى، خاصة في ظل الزيادات الكبيرة في أسعار الخدمات العلاجية، حيث تتراوح تكلفة الإقامة اليومية في مستشفيات الصحة النفسية بين 150 و550 جنيهًا، وهي أرقام لا يستطيع تحملها سوى القادرين من الناس.

وإذا أردنا أن نأخذ صورة أوضح عن خطورة الموقف، فلننظر إلى أرقام الانتحار. رغم أن الحديث عنها لا يزال “تبويًا” في مجتمعنا، إلا أن المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان رصدت 216 حالة انتحار معلنة في مصر خلال عام 2024 وحده، مع التشديد على أن هذا الرقم لا يمثل الحقيقة الكاملة، حيث تقدر المؤسسة أن العدد الفعلي يفوق العدد المعلن بأكثر من عشرة أضعاف. ما الذي يمكن أن يدفع إنسانًا إلى إنهاء حياته؟ اليأس، الصمت، وغياب أي يد تمتد لإنقاذه.

وهنا يأتي دور الإعلام.

دعوني أحكي لكم القصة الرمزية الثالثة، “قصة المذيعة التي جلست على الأرض”، مذيعة أخبار شهيرة، كان لديها خبر محزن عن انتحار شاب. جلست على الأرض أمام الكاميرا وقالت: “هذا الشاب كان ابني. لو كان ابني، كنت أتمنى أن يجد من يسمعه قبل أن يفعل ما فعل. لو كنت أنا المذيعة التي كان يشاهدها، كيف كان يمكنني أن أنقذه؟”. أثرت هذه الكلمات في القلوب أكثر من ألف نشرة أخبار تقليدية.

ماذا لو قام إعلامنا المصري اليوم بدور مماثل؟ ماذا لو توقف عن استخدام مصطلحات مهينة مثل “مجنون” و”معتوه”، واستخدم كلمات آدمية مثل “اضطراب نفسي” و”مرض عقلي”؟ ماذا لو توقف عن تصوير المنتحر بشكل نمطي درامي، وبدأ في شرح أسباب الانتحار بأسلوب يحفز المجتمع على العلاج وليس التهويل؟ ماذا لو خصص كل برنامج صباحي 5 دقائق للحديث عن الصحة النفسية، مع طبيب نفسي متخصص، ليكون هذا كفيلًا بتغيير ثقافة مجتمع بأكمله؟

في السنوات الأخيرة، كانت هناك محاولات جيدة على أرض الواقع. مبادرة “صحتك سعادة” الرئاسية نجحت في تقديم أكثر من مليون ونصف مليون خدمة نفسية خلال فترة وجيزة، وهو أمر يجدر الإشادة به. وأيضًا الخط الساخن 16328 الذي وفّرته وزارة الصحة، واستقبل آلاف المكالمات الهاتفية، إلا أن هذا لا يزال غيضًا من فيض مقارنة بحجم المشكلة. نحن بحاجة إلى تضافر كل الجهود لإحداث تغيير حقيقي.

ما المطلوب بالضبط من الإعلام المصري؟

أولاً: تطبيق مدونة السلوك الأخلاقي. على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وضع دليل إرشادي ملزم لكيفية التعامل مع قضايا الصحة النفسية والانتحار. هذا الدليل يجب أن يمنع ذكر تفاصيل طريقة الانتحار، ويجرم استخدام ألفاظ مهينة.

ثانيًا: برامج توعوية مدروسة. بدلاً من الكم الهائل من البرامج التي تستضيف “ملهمين” وأصحاب تجارب شخصية فقط، يجب أن تكون هناك برامج أسبوعية ثابتة، يشارك فيها أطباء نفسيون متخصصون لشرح الأمراض النفسية بعمق وإنسانية.

ثالثًا: لغة إعلامية جديدة. تدريب الصحفيين والإعلاميين على لغة لا تحكم على المريض بأنه “ضعيف” أو “فاقد الإيمان”، بل تستخدم كلمات علمية مثل “خلل في كيمياء المخ”، مما يجعل المرض النفسي مفهومًا ومقبولاً اجتماعيًا.

أيها الإعلاميون، أنتم تمتلكون صناعة الوعي. صحيح أن الحكومة يمكنها بناء المستشفيات وتدريب الأطباء، لكن أنتم وحدكم من يستطيع تغيير النظرة المجتمعية تجاه المرض النفسي. يمكنكم كسر وصمة العار بسهولة أكبر من أي قانون أو لائحة. استخدم قلمك، وكاميرتك، وميكروفونك لتكن أداة إنقاذ، لا أداة تدمير.

فالقلعة المهجورة يمكن أن تتحول إلى واحة أمل، إذا أضاءنا عليها الضوء. ولن يكون ذلك الضوء إلا من خلال إعلام مسؤول وصادق وحريص على الحياة الإنسانية قبل أي شيء آخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى