الحب بعد الخيانة بين الرغبة والهروب

الحب بعد الخيانة بين الرغبة والهروب
د/ برديس رزق
هناك لحظات يظن فيها الإنسان أنه تجاوز كل شيء وأنه أصبح أقوي من الذكريات وأهدأ من الألم وأكثر قدرة علي البدايات الجديدة لكنه فجأة يجد نفسه يرتبك من مجرد اقتراب شخص جديد منه يخاف من كلمة اهتمام ويتردد أمام رسالة دافئة ويتعامل مع الحب وكأنه خطر قادم لا شعور جميل ينتظره وكأن القلب الذي كان يومًا ممتلئًا بالشغف أصبح يقف خلف جدار مرتفع يراقب العالم بحذر شديد دون أن يسمح لأحد بالاقتراب الحقيقي
الخوف من الحب مرة أخري ليس ضعفًا كما يظن البعض وليس مبالغة ولا تعقيدًا نفسيًا بل هو نتيجة طبيعية لكل روح تعبت من الخذلان وكل قلب حاول بصدق ثم عاد محملًا بالندوب فالحب حين يفشل لا يرحل وحده بل يترك خلفه أسئلة كثيرة وشكوكًا مؤلمة ويجعل الإنسان يعيد التفكير في كل مشاعره وفي قدرته علي الوثوق من جديد
أصعب ما يواجهه الإنسان بعد أي علاقة مؤلمة ليس الفراق نفسه بل فقدان الأمان لأن الشخص الذي كان يومًا مصدر الطمأنينة قد يتحول فجأة إلي سبب للوجع وعندما يحدث ذلك يبدأ العقل في بناء حواجز دفاعية خوفًا من تكرار التجربة فيصبح الحذر أسلوب حياة ويصبح الاقتراب من أي علاقة جديدة معركة داخلية بين الرغبة في الحب والخوف من الألم
كثير من الناس لا يخافون من الحب ذاته بل يخافون مما قد يحدث بعده يخافون من التعلق ثم الرحيل ومن الوعود التي لا تكتمل ومن الاهتمام الذي يتحول إلي فتور ومن الكلمات التي تفقد معناها مع الوقت يخافون من أن يعطوا قلوبهم كاملة لشخص ثم يكتشفوا أنهم كانوا مجرد مرحلة عابرة في حياة هذا الشخص بينما كانوا هم يبنون عليه أحلامًا كاملة
وهناك من يخاف أن يحب مرة أخري لأنه لم يتعافَ أصلًا من الماضي فبعض العلاقات تنتهي شكليًا لكنها تبقي داخل الإنسان لسنوات تبقي في طريقة تفكيره وفي ردود أفعاله وفي خوفه من التكرار وربما يقابل شخصًا جيدًا بالفعل لكنه يعاقبه دون قصد بأخطاء لم يرتكبها فقط لأن الذاكرة مازالت مليئة بالخوف
البعض أيضًا يخاف من الحب لأنه فقد ثقته بنفسه بعد تجربة مؤلمة فالعلاقات القاسية قد تجعل الإنسان يشعر أنه غير كافٍ أو غير مستحق للحب أو أن هناك شيئًا ناقصًا بداخله ولذلك يدخل أي علاقة جديدة وهو يحمل خوفًا دائمًا من الرفض أو الهجر أو الاستبدال وهذا الخوف يجعله يتراجع في اللحظة التي يحتاج فيها لأن يقترب
ومن أكثر الأمور التي تجعل الإنسان يخشي الحب مرة أخري هو أنه أصبح يعرف الكثير عن الألم ففي البدايات الأولي للحب يكون القلب أكثر اندفاعًا وأكثر براءة أما بعد التجارب المؤذية فإن الإنسان يصبح أكثر وعيًا بكل التفاصيل التي قد تؤدي إلي الانكسار يلاحظ التغيرات الصغيرة ويقرأ الصمت ويخاف من البرود ويحلل كل شيء لأنه لا يريد أن يعيش النهاية نفسها مرة أخري
وفي أحيان كثيرة يتحول الخوف من الحب إلي نوع من الهروب المقنع فيقنع الإنسان نفسه بأنه لا يحتاج أحدًا وأن الوحدة أفضل وأن العلاقات مجرد تعب لكنه في أعماقه يظل مشتاقًا للاحتواء ولشخص يشعر معه بالأمان لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش دون مشاعر حقيقية مهما حاول أن يبدو قويًا أو مكتفيًا بنفسه
الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون هي أن الخوف من الحب قد يحرم الإنسان من أجمل الفرص في حياته فليس كل الناس نسخة من الماضي وليس كل القلوب مؤذية وليس كل العلاقات نهايتها الخذلان لكن الألم يجعل الإنسان أحيانًا يري العالم كله من زاوية واحدة فيرفض الاقتراب قبل أن يمنح نفسه فرصة حقيقية للاكتشاف
الحب الناضج لا يأتي دائمًا بشكل صاخب أحيانًا يأتي هادئًا مطمئنًا مختلفًا عن كل ما عرفناه من قبل يأتي علي هيئة شخص لا يجعلك تخاف من التعبير ولا تشعر معه أنك في اختبار دائم ولا تحتاج أمامه إلي ارتداء الأقنعة أو التظاهر بالقوة الحب الحقيقي لا يزيد جراحك بل يساعدك علي الشفاء منها
ومن المهم أن يدرك الإنسان أن الحذر شيء طبيعي لكن تحويل الخوف إلي سجن دائم قد يدمر فرصته في الحياة فليس المطلوب أن نثق بسرعة أو نندفع دون وعي لكن المطلوب ألا نحكم علي كل التجارب الجديدة بالفشل قبل أن تبدأ لأن الإنسان الذي يختبئ طويلًا خلف خوفه قد ينجو من الألم لكنه أيضًا قد يخسر إمكانية أن يكون سعيدًا
التعافي من الخوف يحتاج إلي وقت وإلي مصالحة حقيقية مع الماضي يحتاج أن يفهم الإنسان أن ما حدث له لم يكن نهاية العالم وأن فشل علاقة لا يعني فشله هو كشخص وأن الخذلان الذي تعرض له لا يحدد قيمته ولا مستقبله العاطفي لأن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تتألم من تجربة وبين أن تسمح لها بأن تغلق قلبك للأبد
أحيانًا يكون الحل في أن يتوقف الإنسان عن البحث عن علاقة تنقذه وأن يبدأ أولًا بإنقاذ نفسه بأن يتعلم كيف يحب ذاته وكيف يضع حدودًا صحية وكيف يختار بعقله وقلبه معًا لأن الحب وحده لا يكفي إذا غابت الطمأنينة والاحترام والصدق
والأجمل في الأمر أن القلب رغم كل ما يمر به يظل قادرًا علي النبض من جديد فمهما ادعي الإنسان أنه انتهي من الحب تأتي لحظة معينة يكتشف فيها أن جزءًا بداخله مازال يريد أن يشعر وأن يقترب وأن يعيش تجربة مختلفة وربما أكثر نضجًا وهدوءًا من كل ما سبق
الخوف من الحب ليس عيبًا لكنه رسالة من الداخل تقول إن هناك ألمًا لم يهدأ بعد وإن هناك جزءًا يحتاج إلي احتواء لا إلي قسوة لذلك بدلًا من أن نحارب أنفسنا علينا أن نفهمها وأن نمنحها الوقت الكافي للتعافي لأن القلوب لا تشفي بالأوامر بل بالأمان
وفي النهاية سيبقي الحب دائمًا مخاطرة لكنه أيضًا أحد أجمل الأشياء التي قد يعيشها الإنسان وما بين الخوف والرغبة تبقي الشجاعة الحقيقية في أن نحاول مرة أخري ليس لأننا نضمن النهاية بل لأننا نستحق فرصة جديدة للحياة وللمشاعر ولل
أمل الذي يجعل القلب حيًا مهما حدث





