المقالات

الإعلام العلمي.. الغائب الحاضر في زمن المعرفة وصناعة المستقبل

تأملات وطنية
الإعلام العلمي.. الغائب الحاضر في زمن المعرفة وصناعة المستقبل
بقلم: أيمن عدلي
في عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية بوتيرة مذهلة، لم يعد كافيًا أن نمتلك المعلومة، بل أصبح التحدي الحقيقي في كيفية تقديمها. وهنا يبرز دور الإعلام العلمي، لا كناقل جامد للمعرفة، بل كصانع للدهشة، ومحفّز للعقل، وجسر يصل بين المختبر وحياة الناس.

خلال صالون الإعلام الشهري، جاءت مداخلة السفير محمد الشاذلي، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لتسلّط الضوء على فجوة حقيقية في إعلامنا، تتمثل في غياب المحرر العلمي. غير أن الأمر يتجاوز مجرد غياب التخصص، ليصل إلى غياب “الروح العلمية” القادرة على تحويل الأرقام والبيانات إلى قصة مشوقة تُلهم الجمهور.

إن المراسل العلمي الذي نحتاجه اليوم، ليس مجرد ناقل لمعلومة، بل هو راوي حكاية العلم. هو من يستطيع أن يأخذنا في رحلة عبر الزمن والفضاء، ليحدثنا عن فوياجر 1 التي انطلقت قبل نحو نصف قرن، ولا تزال حتى اليوم، على بُعد أكثر من 20 مليار كيلومتر من الأرض، ترسل إشاراتها عبر ظلام الكون، في واحدة من أعظم قصص الإصرار العلمي في تاريخ البشرية. كيف يمكن تقديم هذه القصة؟ هل تُروى بلغة جافة، أم تُقدَّم كملحمة إنسانية تُجسّد شغف الاكتشاف؟

وكذلك الحال مع مسبار باركر الشمسي، الذي اقتحم هالة الشمس، متحديًا درجات حرارة هائلة، ليجمع بيانات غير مسبوقة عن أقرب نجم إلينا. هذه ليست مجرد معلومة علمية، بل قصة تحدٍ وإبداع، تستحق أن تُروى بأسلوب يليق بعظمتها.

المشكلة ليست في غياب المعلومات، بل في طريقة تقديمها. فالإعلام العلمي في كثير من الأحيان يقع في فخ الأسلوب التعليمي الجاف، الذي يُشبه شرح المعلم في الفصل، فيفقد الجمهور اهتمامه، ويُهدر فرصة ثمينة لبناء وعي علمي حقيقي. ما نحتاجه هو مراسل يمتلك خلفية علمية راسخة، إلى جانب مهارات سردية وإعلامية، تمكّنه من تبسيط المعلومة دون تسطيح، وإبهار المتلقي دون مبالغة.

إن إعداد كوادر مؤهلة من المراسلين العلميين لم يعد ترفًا، بل ضرورة. فبدون هذا العنصر البشري المدرب، سيظل الإعلام العلمي حبيس النخبة، بعيدًا عن الجمهور العام. ومن هنا، تبرز أهمية أن تتبنى كليات الإعلام مبادرات جادة في هذا الاتجاه، وعلى رأسها إطلاق دبلومات متخصصة في الإعلام العلمي، تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي، وتُخرّج جيلاً جديدًا من الصحفيين القادرين على مواكبة روح العصر.

كما يجب أن تتكامل هذه الجهود مع المؤسسات البحثية، لتوفير محتوى علمي موثوق، ومع وسائل الإعلام، لتوفير المنصات التي تحتضن هذا النوع من الخطاب. فالإعلام العلمي ليس مسؤولية فرد، بل منظومة متكاملة، تبدأ من التعليم، وتمر بالتدريب، وتنتهي بالتأثير في وعي المجتمع.

إن بناء إعلام علمي حقيقي يعني بناء عقل جمعي قادر على الفهم والتحليل، لا الاكتفاء بالتلقي. يعني أن نُعيد للعلم مكانته في وجدان الناس، لا كمادة دراسية، بل كقصة إنسانية ملهمة، تُحكى بشغف، وتُروى بإبداع.

وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى إعلام علمي؟ بل: هل يمكن أن نواكب العالم بدونه؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى