المرأة والطفل

العنف الذي لا يُرى: صرخات صامتة في محكمة الوجدان

العنف الذي لا يُرى: صرخات صامتة في محكمة الوجدان
كتبت : دينا عامر
كم مرة تردد صدى عبارة [العنف ضد المرأة] فاستحضرت الأذهان صور الكدمات الزرقاء والجروح الغائرة وآثار اعتداء جسديّ لا يخطئه بصر؟
بيد أن هذه الصورة وإن كانت مؤلمة لا تلامس إلا قشرة حقيقة أعمق وأشد قسوة
حقيقة أن أفتك أشكال العنف على الإطلاق… لا تُرى
إنها لا تخلّف أثراً على الجلد بل تنقش وشماً في الروح وشقاً في الكرامة وصدعاً في جدار الثقة بالنفس لتغدو الضحية سجينة واقع لا يراه أحد سواها
هي ليست تلك التي تُضرب بل تلك التي تُهان وتُنتقص كرامتها كل يوم في تآكلٍ بطيءٍ للذات يسرق منها بريقها ووجودها ويفضي بها إلى العدم
ليست حبيسة قضبان زنزانة لكنها أسيرة قيود خفية من السيطرة والتحكم .. تحكم قبضتها على حريتها وعلى صوتها وعلى حقها في أن تكون كيانا مستقلا
لا تُجرح بسكين حادة لكن روحها تُستنزف ببطء قاس تاركة ندوباً نفسية عميقة قد لا تندمل أبداً وتظل تنزف في الخفاء لسنوات طوال دون أن يدرك المحيطون حجم المأساة التي تعيشها أو يلمسوا وطأة الألم الذي يفتك بها
هذا هو [العنف الخفي ] أو [العنف غير المرئي] ذلك الوحش الصامت الذي لا يترك آثاراً جسدية يمكن الإشارة إليها لكنه يغرس أنيابه في النفس البشرية محطماً كيان الضحية في صمتٍ مطبق
إنه عنف لا يستلزم قوة جسدية بل قوة نفسية خبيثة تتلاعب بالضحية وتستنزفها وتجعلها تشك في ذاتها وفي حقها الأصيل في الحياة الكريمة
فكم من امرأة تعيش تحت وطأة التهديد النفسي المستمر أو الإهانة العلنية أو التقليل الممنهج من شأنها وقدراتها؟ وكم من زوجة تُحرم من حقها في إدارة أموالها أو ممارسة عملها لا لشيء إلا لتظل أداة طيعة في يد من يظن أنه يملكها؟ وكم من فتاة تُراقَب تحركاتها وتُفتش في هاتفها الشخصي تحت ذريعة [الخوف عليها] بينما هو في جوهره انتهاك صارخ لخصوصيتها وحريتها وسلب لحقها في الثقة والنمو وقمع لإرادتها؟ لقد تطور مفهوم العنف في التشريعات الحديثة ليخرج من قفص الأذى الجسدي الضيق وليشمل كل سلوك يتسبب في أذى نفسي أو اقتصادي أو معنوي
هذا التوسع النظري يعكس فهماً أعمق لتعقيدات العلاقات الإنسانية وإدراكاً لتأثير السلوكيات غير المادية على كرامة الفرد وحقوقه الأساسية
فالحرمان من المال أو منع العمل أو التهديد المستمر أو الإهانة المتكررة كلها أفعال تندرج ضمن هذا التعريف الموسع للعنف وتستوجب الحماية القانونية
بيد أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في قصور النصوص القانونية بقدر ما تكمن في فجوة التطبيق فبينما تتسع مظلة القانون نظريا تظل الضحايا يتخبطن في دهاليز الإثبات وتظل الجرائم الخفية بلا عقاب وكأن العدالة قد أغمضت عينيها عن صرخات الوجدان
تتفاقم هذه المعضلة القانونية بسبب تحديين رئيسيين يلقيان بظلالهما القاتمة على ساحة العدالة
أولهما: صعوبة الإثبات: فكيف يمكن توثيق كلمةٍ جارحةٍ قيلت في لحظة غضبٍ عابر أو ضغطٍ نفسي مستمر لا يترك أثراً مادياً ملموساً؟ كيف يمكن إثبات الحرمان الاقتصادي عندما تكون الضحية معتمدة مالياً على الجاني وتخشى فقدان كل شيءٍ إن هي نطقت؟ إن طبيعة هذه الجرائم تجعل من جمع الأدلة التقليدية أمراً شبه مستحيل، مما يترك الضحايا في دائرةٍ مفرغةٍ من المعاناة بلا سندٍ قانونيٍ واضح وكأن صرخاتهن لا تجد آذاناً صاغية في قاعات المحاكم
وثانيهما: الثقافة المجتمعية السائدة: التي لا تزال تُقلل من خطورة هذا النوع من العنف بل وتبرره أحياناً تحت مسمياتٍ واهيةٍ كـ”الغيرة” أو [الحفاظ على شرف العائلة] أو [حق الرجل في القوامة]
هذا التبرير الثقافي يساهم في إدامة دائرة العنف ويجعل الضحايا يترددن في طلب المساعدة خوفاً من الوصم الاجتماعي أو عدم التصديق وكأن المجتمع يطلب منهن أن يرتدين قناع الصمت فوق جروحهن الخفية وأن يدفن آلامهن في أعماق أرواحهن
والنتيجة المأساوية لهذه المعضلة هي: ضحايا بلا حمايةٍ كافية وجرائم بلا توصيفٍ قانوني واضح أو آليات إنفاذٍ فعالة
إنها دعوة صريحة لإعادة النظر في منظومة العدالة ليس فقط على مستوى النصوص بل على مستوى الفهم والتطبيق
نحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى ما هو أبعد من مجرد نصوصٍ عامة يتطلب الأمر مقاربة شاملة تتضمن اعترافاً قانونياً صريحاً ومحدداً بأشكال العنف النفسي والاقتصادي والمعنوي مع تحديد السلوكيات التي تندرج تحت كل نوع وتطوير آليات إثباتٍ مرنةٍ ومبتكرةٍ تراعي طبيعة هذه الجرائم مثل الاعتماد على شهادات الشهود غير المباشرة أو تقارير الخبراء النفسيين أو توثيق أنماط السلوك المتكررة أو حتى الأدلة الرقمية التي قد تكشف خيوط الجريمة الخفية
والأهم من ذلك كله تدريب متخصص للجهات المعنية من قضاةٍ ووكلاء نيابةٍ وضباط شرطةٍ وأخصائيين اجتماعيين على فهم طبيعة العنف الخفي وكيفية التعامل مع الضحايا وجمع الأدلة بطرقٍ غير تقليدية ليصبحوا عيوناً ترى ما لا يراه الآخرون وآذاناً تسمع صرخات الصمت وأيادٍ تمتد لانتشال الضحايا من غياهب الظلم
لكن كل هذا لن يكتمل دون بناء وعيٍ مجتمعي شامل يُدرك أن الكلمة قد تكون سلاحاً أشد فتكاً من السيف وأن السيطرة الاقتصادية هي شكل من أشكال الاستعباد الحديث وأن كرامة الإنسان خط أحمر لا يجوز المساس به بأي شكل من الأشكال إن تجاهل [العنف غير المرئي] لا يعني أنه غير موجود بل يعني أننا نسمح له بالاستمرار والتفاقم في الظل وكأننا نغض الطرف عن جرحٍ ينزف في صمتٍ مطبق
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد القضايا التي تصل إلى المحاكم وتُصدر فيها أحكام بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً ومن لا يستطيعون حتى إثبات ما يتعرضون له من انتهاكات، لتكون العدالة صوتاً لمن لا صوت له وملاذاً لمن لا مأوى له
في النهاية.. ليس كل عنفٍ يترك أثراً ظاهراً على الجسد… لكن بعضه يهدم إنساناً بالكامل ويدمر حياته في صمتٍ مطبق تاركاً وراءه أرواحاً محطمة وجرائم بلا عقاب وصرخاتٍ لا يسمعها إلا جدران البيوت الصامتة وضمائر غافلة عن حجم المأساة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى