بين رزق الحب و سجن الشغف مشاعر وأوهام

بين رزق الحب و سجن الشغف مشاعر وأوهام
بقلم/ رانيا ابوالعلا
ماجستير في الصحة النفسية والإرشاد الأسري
الحب والتعلق كيف لا نقع في فخ الوهم
كثير من الشباب والبنات يقعون في فخ نفسي كبير نمر بحالة من الطيران العاطفي ونبضات القلب السريعة والتفكير المستمر في شخص معين فنقول هذا هو الحب الحقيقي لكن الصدمة تاتي بعد ذلك حين نكتشف ان ما عشنا فيه لم يكن حب بل كان تعلق مرضي متنكر في زي الحب لكي لا ننخدع دعونا نوضح المسألة ببساطة من خلال علم النفس القرآني كما علمني استاذي
دكتور “أمين ماهر بهجات” الذي افخر بأنني تتلمذت علي يده في هذا الجانب تحديدا.
الحب هو طاقة امان وسكينة يجعلك شخص افضل وناضج ومقبل على الحياة بسلام اما التعلق فهو حالة ادمان نفسي خوف مستمر من الفقد ورغبة في الامتلاك وشعور بالقلق ينتهي دائما بكسرة القلب الحب يمنحك اجنحة لتطير والتعلق يصنع لك قيود لتسجن.
بين الشغف والرزق في علم النفس القرآني اذا اردنا ان نفهم هذا الخيط الرفيع بين الحب والتعلق فلن نجد اعمق ولا ابسط من التفريق في القرآن والسيرة النبوية علم النفس القرآني يلخص لنا المسألة في كلمتين الشغف والرزق شغفها حبا وهو فخ التعلق والقيود حين وصف القرآن حال امرأة العزيز تجاه سيدنا يوسف قال قد شغفها حبا والشغاف في اللغة هو الغلاف الجلدي الرقيق المحيط بالقلب وحين يشغف الحب هذا الغلاف فانه يحاصره ويتحول الى جدران سجن في علم النفس القرآني هذا هو حالة من التعلق النابع من حاجة النفس لامتلاك الشيء زليخة لم تكن ترى يوسف كانسان بل كامنية تريد السيطرة عليها لملئ فراغها الداخلي ولأن التعلق اناني ومشروط فبمجرد ان رفضها يوسف تحول هذا الشعور فورا الى رغبة في الانتقام والاذى” ما جزاء من اراد باهلك سوءا الا ان يسجن او عذاب اليم، انه الحب الذي يغلق الابواب ويطلب السجن.
اما المفارقه هنا
برزقت حبها وهو منحة الحب الحقيقي على النقيض تماما يقف النبي محمد ليصف حبه للسيدة خديجة بقوله اني قد رزقت حبها هنا ارتقى الحب ليصبح رزق سماوي والرزق بطبيعته يغذي وينمي ويجلب البركة والسلام الحب الرزقي لا يعرف القيود او المطاردة المجهدة بل هو منحة يضعها الله في القلوب لتصنع السكينة حب خديجة كان الملاذ الآمن للنبي حين عاد مرتجفا من غار حراء فاحتضنته وثبتته هذا الحب لم يقيد النبي ولم يستحوذ عليه بل اعطاه القوة ليحمل رسالة للعالم كله انه حب يفتح الآفاق ويحرر الروح.
اما مفارقة الواقع والدراما بين مجنون ليلى وتايتانك تترك لنا القصص الانسانية ادلة واضحة لنقيس عليها مشاعرنا ونكشف زيفها قيس وليلى عندما يدمر التعلق صاحبه اشتهرت قصة مجنون ليلى قيس بن الملوح على انها اعظم قصة حب في التاريخ العربي لكن التحليل النفسي الحقيقي يثبت انها كانت حالة تعلق مرضي حاد قيس لم يحب ليلى الحقيقية بل احب الفكرة والصورة الخيالية التي صنعها لها في عقله التعلق جعله يعتزل مجتمعه ويهيم في الصحراء مع الحيوانات ويفقد عقله تماما لمجرد انه لم يستطع امتلاكها والصدمة النفسية الكبرى في قصتهما هي انه عندما التقى بليلى في اواخر حياته هرب منها وقال “اليك عني فان حبك شغلني عنك”
التعلق هنا تحول الى ادمان للمعاناة والوهم ودمر حياة صاحبه تماما بدلا من ان يعمرها.
” تايتانك ” “جاك وروز ” الحب الذي كان يتمنى النجاة لآخر العمر
سنجد في قصة جاك وروز الشهيرة ملمح بسيط وسلس يوضح الحب الحقيقي في اوقات الازمات في اللحظات الأخيرة لجاك وسط المياه المتجمدة لم يتصرف بانانية التعلق التعلق كان سيجعله يقول تمسكي بي وتموتي معي فلا قيمة لحياتي بدونك لكن الحب الحقيقي الذي يحرر ويحمي جعل شعاره انا احبك لذلك اريدك ان تعيشي وتكبري وتتزوجي وتموتي عجوز في فراشك الدافئ جاك اخذ من روز وعد بالنجاة والاستمرار في الحياة بدونه هذا هو الحب ان تتمنى الخير والحرية للطرف الآخر حتى لو لم تكن انت جزء من مستقبله.
رسالة من القلب لكل شاب وفتاة الحب ليس قلق دائم ولا تفتيش وراء الحبيب ولا بكاء في ليل مظلم خوف من انه سيرحل اذا وجدتم انفسكم في علاقة تستنزف قواكم النفسية وتجعلكم تفقدون تقديركم لذاتكم وتتحكم في قراركم وسعادتكم فاعلموا انكم في سجن الشغف والتعلق ولستم في جنة الرزق والحب ابحثوا عن الحب الذي يشبه الرزق الحب الهادئ الآمن الذي يجعلك تنام مطمئن وتستيقظ طموح لا تقبلوا بانصاف المشاعر ولا تنخدعوا بالتعلق فالحب الحقيقي ابسط واجمل بكثير من كل هذا العذاب.





