لماذا نعيد مشاهدة ما نعرف نهايته؟ إبراهيم فريد، وسهير…

لماذا نعيد مشاهدة ما نعرف نهايته؟
إبراهيم فريد، وسهير…
سؤال : ايمان محمد احمد اسماعيل
حين اعاد التليفزيون اعادة عرض فيلم «معبودة الجماهير»، وجدتني أتأمل أمرًا غريبًا: نحن نعرف الفيلم، ونعرف أحداثه، ونعرف ماذا سيحدث بعد كل مشهد، وربما نحفظ بعض حواراته عن ظهر قلب… ومع ذلك نجلس أمامه باهتمام، وكأننا ننتظر أن نعرف النهاية!
لكننا في الحقيقة لا ننتظر معرفة النهاية؛ فنحن نعرفها مسبقًا.
فماذا ننتظر إذن؟
هل في داخل الإنسان اعتقاد خفي بأن ما يعرفه ويعتبره ثابتًا قد يتغير؟
هل يعيد مشاهدة الحدث وكأنه يمنح الواقع فرصة أخرى، لعل مشهدًا ما هذه المرة يأتي مختلفًا، أو لعل حكمًا قديمًا لديه يحتاج إلى المراجعة؟
أم أن الأمر أبسط وأعمق في الوقت نفسه؟
ربما نحن لا نعيد مشاهدة الحدث… بل نعيد مشاهدة أنفسنا ونحن نشاهده.
فحين شاهدنا الفيلم أول مرة، كنا في عمر معين، وتجاربنا محدودة، وأحكامنا على الحب والخوف والاختيار والخسارة والناس والحياة كانت وليدة ذلك العمر.
ثم تمر السنوات.
نكبر، ونتغير، ونخوض تجارب جديدة، ونفقد أشياء ونكسب أخرى، وتتبدل أولوياتنا، وتصبح بعض الأشياء التي كنا نراها مهمة هامشية، وبعض التفاصيل التي لم نلتفت إليها يومًا شديدة الدلالة.
فنعود إلى الفيلم نفسه، أو إلى موقف قديم، أو حتى إلى شخص عرفناه منذ سنوات…
فتبقى الحكاية كما هي، لكن حكمنا عليها لا يبقى كما هو.
وهنا ربما تكمن فلسفة إعادة المشاهدة:
نحن لا نعيد مشاهدة الماضي لأننا نسينا ما حدث، وإنما لأننا نريد أن نعرف:
هل ما زلت أراه بالطريقة نفسها؟
هل ما اعتبرته بطولة وأنا في العشرين ما زلت أراه بطولة وأنا في الستين؟
هل الشخص الذي أحببته في موقف معين كان يستحق فعلًا ما منحته له من ثقة؟
هل ما اعتبرته خطأً كان خطأً، أم أنني كنت أحكم عليه بعين ذلك العمر؟
ربما لهذا نعود إلى الأفلام القديمة، والصور القديمة، والحكايات القديمة، وحتى إلى الأشخاص الذين ظننا أننا عرفناهم تمامًا.
نحن لا نبحث عن أحداث جديدة…
نحن نبحث عن نسخة جديدة من فهمنا للأحداث القديمة.
وكأن الإنسان، كلما تقدم به العمر، عاد إلى أرشيف حياته ليعيد قراءة ما حفظه من قبل؛ ليس ليغيّر الماضي، فهذا مستحيل، وإنما ليكتشف إن كانت أحكامه القديمة ما زالت تصلح للحاضر.
وربما كان فيلم “خلي بالك من زوزو” من أبرز الأفلام التي جذبت المشاهدين لإعادة مشاهدته مرارًا، رغم معرفتهم المسبقة بكل تفاصيله. فالفيلم، الذي يحكي قصة زوزو (سعاد حسني) الفتاة الجامعية التي تخفي عملها كراقصة شرقية عن زميلها الأستاذ سعيد (حسين فهمي)، لا يقدم حبكة غامضة أو نهاية مفتوحة . لكن سحره يكمن في مكان آخر.
فكلما نعيد مشاهدة الفيلم، لا نعود لمتابعة الحبكة ذاتها، بل نعود لمشاهدة شخصية زوزو التي تمثل صراعًا أعمق: الصراع بين الهوية الشخصية والتوقعات الاجتماعية، بين الانتماء لجذور متواضعة والطموح إلى عالم آخر . الفيلم يحمل مرآة لمجتمع كان يمكن أن يكون، لعصر كانت فيه الأحلام تبدو أكثر اتساعًا وإمكانية .
وعندما نعيد مشاهدته اليوم، بعد عقود من الزمن، نجد أنفسنا أمام طبقات جديدة من المعنى.
فما كنا نراه في صغرنا مجرد قصة حب ممتعة، قد نراه اليوم وهو يكشف عن أحلام جيل كامل، أو عن تحولات المجتمع المصري. وحتى المشاهد التي حفظناها عن ظهر قلب، نراها بعيون مختلفة: عيون أكبر سنًا، وأكثر خبرة بالألم والخسارة والحب.
وهكذا، نعيد مشاهدة الفيلم لا لنعرف النهاية، بل لنعرف كيف تغيرت نظرتنا نحن للحياة، ولنكتشف إن كانت أحلام زوزو التي أحببناها في الصغر لا تزال تبدو لنا اليوم جميلة بنفس القدر.
ولعل أجمل ما في الأمر أن النهاية التي نعرفها لا تتغير…
لكن الإنسان الذي يشاهدها يتغير.
ولهذا قد نشاهد المشهد نفسه للمرة العاشرة، ونشعر أننا نراه للمرة الأولى.





