صحة

نصف الأحياء بيننا يبتسمون وهم ينهارون قراءة في الاكتئاب الصامت خلف الوجوه العادية

نصف الأحياء بيننا يبتسمون وهم ينهارون قراءة في الاكتئاب الصامت خلف الوجوه العادية

بقلم أ أيمن فرغلي استشاري نفسي ومتخصص في علاج الإدمان عضو الجمعية المصرية للعلاج النفسي

لم ينتحر لكنه توقف عن الحياة

أحمد شاب في الخامسة والثلاثين يعمل في وظيفة مستقرة داخل شركة خاصة ناجح في نظر كل من حوله وهو متزوج ولديه طفلان يخرج يومياً في موعده يعود في المساء يجلس مع أسرته يضحك أحياناً ويتابع هاتفه كثيراً لا شيء في مظهره الخارجي كان يوحي أن هناك خطأ

لكن في أحد الأيام جلس أمامي وقال بهدوء شديد أنا مش حاسس بأي حاجة ولا فرح ولا حزن ولا رغبة
أنا تعبت من التمثيل

بدأت حكايته قبل شهور قليلة بعد ضغوط متتالية في العمل ثم خلافات أسرية بسيطة لكنها مستمرة
في البداية ظن أن ما يمر به مجرد إرهاق طبيعي
ثم بدأ يفقد اهتمامه بالأشياء التي كانت تعني له الكثير
لم يعد يستمتع بوقته مع أطفاله
تأجلت مواعيده مع أصدقائه
وأصبح النوم ملاذه الوحيد رغم أنه لا يمنحه راحة

شيئاً فشيئاً بدأ يشعر بثقل داخلي لا يستطيع تفسيره
كأن الحياة تتحرك من حوله وهو متوقف كأن كل شيء يفقد معناه بالتدريج

هذا هو الاكتئاب حين لا يأتي في صورة انهيار مفاجئ
بل كتآكل بطيء للحياة من الداخل

الاكتئاب ليس حزناً عادياً
ولا ضعفاً في التحمل
ولا مبالغة كما يظن البعض
بل حالة نفسية معقدة تتشابك فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية

على المستوى البيولوجي يحدث اضطراب في كيمياء المخ يؤثر على النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج فيفقد الإنسان قدرته الطبيعية على الإحساس بالمتعة أو الحماس
وعلى المستوى النفسي تتغير طريقة التفكير بشكل تدريجي
تصبح النظرة إلى الذات أكثر قسوة ويتحول العقل إلى مساحة مليئة بالانتقاد المستمر والشعور بعدم الكفاية

أما اجتماعياً فقد يظل الإنسان محاطاً بالجميع لكنه يشعر بعزلة عميقة
لأن ما بداخله لا يستطيع التعبير عنه بسهولة ولا يجد من يفهمه حقاً

المشكلة الأكبر أن الاكتئاب لا يُرى لا يترك جرحاً ظاهراً
ولا يصاحبه استغاثة واضحة

بل يجعل صاحبه أكثر صمتاً وأكثر انسحاباً
وأكثر قدرة على التظاهر بأنه بخير

حتى يصل إلى مرحلة خطيرة يبدأ فيها التفكير في الاختفاء كحل
ليس لأنه يريد الموت
ولكن لأنه لم يعد يحتمل هذا الألم الصامت

وهنا تكمن واحدة من أخطر المفاهيم الخاطئة
أن من يفكر في إنهاء حياته ضعيف
بينما الحقيقة أنه شخص استنفد طاقته في المقاومة دون أن يجد مخرجاً

ورغم قسوة الصورة
فإن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب
أن الاكتئاب قابل للعلاج
وأن التعافي ليس مستحيلاً

العلاج قد يشمل دعماً نفسياً متخصصاً يساعد الإنسان على فهم أفكاره وإعادة تنظيمها
وقد يشمل تدخلاً دوائياً لإعادة التوازن الكيميائي
كما تلعب العلاقات الداعمة دوراً حاسماً في استعادة الإحساس بالأمان

لكن الخطوة الأهم تظل في كسر دائرة الصمت
والاعتراف بأن هناك مشكلة تستحق الاهتمام

أحمد لم يكن يريد أن ينهي حياته
هو فقط لم يكن يعرف كيف يعيشها بهذا الألم

وبعد رحلة من الدعم والعلاج بدأ يستعيد أجزاء صغيرة من نفسه
ليس بشكل كامل
لكن بما يكفي ليكمل الطريق

وفي النهاية

الاكتئاب اليوم أحد أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً في العالم لكنه في الوقت نفسه من أكثرها استجابة للعلاج إذا تم التعامل معه بشكل صحيح

قد لا نستطيع أن نرى ما يمر به الآخرون لكن يمكننا أن نكون أكثر انتباهاً
أكثر رحمة
أكثر استعداداً للاستماع دون حكم

وقد يكون الفرق بين الانهيار والتعافي كلمة صادقة
أو وجود حقيقي بجانب من يعاني

أما أنت

إن كنت تقرأ هذه الكلمات وتشعر أنها تشبهك

فربما لم تفقد حياتك ربما فقط تحتاج من يمسك بيدك لتبدأ الحياة من جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى