لماذا يمرض الأشخاص الطيبون أكثر؟ ليسوا أضعف… لكنهم يكبتون أكثر

لماذا يمرض الأشخاص الطيبون أكثر؟
ليسوا أضعف… لكنهم يكبتون أكثر
بقلم / أيمن فرغلي
استشاري الطب النفسي والعلاج النفسي الجسدي
أخطر المرضى ليسوا أولئك الذين يصرخون من الألم،
بل أولئك الذين يبتسمون وهم ينزفون من الداخل.
في عيادات الطب النفسي الجسدي، يتكرر مشهد يبدو عاديًا:
آلام معدة مزمنة بلا سبب عضوي واضح،
ضيق تنفّس لا تفسره الفحوصات،
صداع يقاوم المسكنات،
وأرق لا يُهزم.
لكن عند الاقتراب أكثر، نكتشف مفارقة لافتة:
المريض غالبًا هو الشخص الأكثر لطفًا في عائلته،
الأكثر التزامًا في عمله،
والأكثر تماسكًا في الأزمات.
هو ذلك الذي يعتمد عليه الجميع…
ولا يعتمد هو على أحد.
المشاعر لا تختفي… بل تتحول
كثيرون يظنون أن كبت الغضب نوع من الأدب،
وكبت الحزن دليل قوة.
لكن في علم النفس، الكبت ليس إلغاءً للمشاعر، بل تأجيلًا لها.
المشاعر طاقة نفسية ترتبط بتفاعلات عصبية وكيميائية داخل الجسد.
وحين تُحبس طويلًا، تبحث عن منفذ.
إن لم تجد الكلمات…
وجدت المعدة.
إن لم تجد البوح…
وجدت ضغط الدم.
إن لم تجد مساحة آمنة…
وجدت نوبات الهلع.
حين نرتدي عكس ما نشعر
هناك آلية دفاعية تُعرف بـ “التكوين العكسي”،
حيث لا يكتفي الإنسان بإخفاء مشاعره الحقيقية،
بل يتبنّى سلوكًا معاكسًا لها تمامًا.
الغاضب يصبح شديد اللطف.
الرافض يتحول إلى مبالغ في المجاملة.
المكسور يتظاهر بصلابة لا تُخترق.
وهنا يُستنزف الجسد مرتين:
مرة لقمع الحقيقة،
ومرة لتمثيل العكس.
ومع الوقت، يدفع الإنسان الثمن في صورة توتر مزمن، اضطرابات قولونية، صداع متكرر، أو إنهاك عام بلا تفسير واضح.
فاتورة القناع
الأمر لا يتعلق بمرض عضوي فقط،
بل بانفصال داخلي تدريجي.
أن يعتاد الإنسان الدور حتى ينسى وجهه الحقيقي.
أن يعيش محبوبًا… لكن بشخصية لا تشبهه.
هذا الصراع الصامت يرفع منسوب التوتر المزمن في الجسد،
ويجعل بعض الأجساد تشيخ مبكرًا تحت ضغط مشاعر غير معترف بها.
الشفاء يبدأ من الصدق
الشفاء لا يعني الانفجار في وجه العالم،
ولا يعني التخلي عن القيم،
بل يعني الاعتراف بالمشاعر قبل أن تتحول إلى أعراض.
أن تقول:
أنا غاضب.
أنا متعب.
أنا حزين.
دون خوف من سقوط صورة “المثالي”.
الشفافية النفسية ليست ضعفًا،
بل نضج.
نحن نقضي نصف أعمارنا في محاولة إرضاء الآخرين،
ثم نقضي النصف الآخر في علاج آثار ذلك.
ربما حان الوقت أن نصغي للجسد…
قبل أن يضطر إلى الصراخ.





