المقالات

بعض العهود لا تسقط… حتى لو سقط اللقاء”

بعض العهود لا تسقط… حتى لو سقط اللقاء”

 

بقلم د/ برديس رزق 

إستشاري الصحه النفسيه وعلاج الإدمان

 

حين يصبح الوفاء أقوى من الغياب

هناك نوع من الحب لا يُرى… لا تُكتب له بداية واضحة، ولا يُعلن نفسه في الطرقات، ولا تفضحه الكلمات. حب يعيش في الظل، ينمو بصمت، ويتنفس في المسافات، ويكبر في غياب كل شيء… إلا الشعور.

الحب ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو أحد أقوى أشكال الحب. لأنه لم يعتمد على الحضور، ولا على الطمأنينة اليومية، ولا حتى على ضمان الاستمرار. هو حب قرر أن يعيش رغم الغياب، وأن يبقى رغم الصمت، وأن يظل وفيًا رغم مرور الزمن.

هذا النوع من الحب لا يعتمد على اللقاءات الكثيرة، بل على عمق الأثر. أحيانًا، لقاء واحد صادق يترك في النفس ما لا تتركه سنوات من العلاقات العابرة. يترك شعورًا لا يزول، وكأن القلب اتخذ قراره في لحظة واحدة، ثم ظل متمسكًا به دون نقاش.

الأصعب من الحب نفسه… هو الوفاء بالعهد.

العهد بين اثنين ليس مجرد كلمات قيلت في لحظة عاطفية، بل هو رابط نفسي عميق. هو وعد غير مكتوب بأن يظل مكان الآخر محفوظًا، حتى لو تغيّرت الظروف، وحتى لو باعدت الحياة بين الطرق.

الوفاء بالعهد لا يعني انتظارًا سلبيًا، بل يعني احترامًا للشعور الذي كان حقيقيًا يومًا ما. يعني أن القلب لم يخن ذاكرته، ولم يستبدل صدقه بسهولة، ولم يتعامل مع الحب كمرحلة عابرة.

هناك أشخاص يعيشون حياتهم بالكامل، ويضحكون، ويعملون، ويتحدثون مع الآخرين… لكن هناك جزءًا بداخلهم لا يزال يحتفظ بشخص واحد. ليس لأنهم عاجزون عن النسيان، بل لأن بعض المشاعر لا تُنسى… هي لا تختفي، بل تستقر.

الحب ليس دائمًا حزنًا. أحيانًا يكون مصدر قوة. لأنه يعلّم الإنسان أن مشاعره كانت حقيقية، وأنه كان قادرًا على الإخلاص دون مقابل، وعلى الصدق دون ضمان.

الوفاء الحقيقي يظهر في الغياب، لا في الحضور. لأن الحضور سهل… أما الغياب فهو الاختبار.

حين يغيب الشخص، يغيب معه صوته، حضوره، تفاصيله اليومية… لكن إذا بقي أثره حيًا في القلب، فهذا ليس ضعفًا، بل دليل على أن العلاقة لم تكن سطحية. كانت عميقة بما يكفي لتتجاوز الزمن.

حب السنين لا يكون دائمًا انتظارًا لشخص يعود… أحيانًا يكون حفاظًا على نسخة صادقة من أنفسنا. نسخة أحبّت بصدق، ووعدت بصدق، وظلت وفية لذلك الصدق.

ليس كل حب يجب أن يكتمل ليكون حقيقيًا. بعض أنواع الحب تكمن قيمتها في بقائها كما هي… نقية، غير ملوثة بخيبات الواقع أو تفاصيل النهاية.

وقد يلتقي الاثنان مرة أخرى بعد سنوات… وقد لا يلتقيان أبدًا. لكن ما يبقى مؤكدًا هو أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالنهايات، بل بصدق الشعور الذي كان يومًا ما.

في النهاية، الحب ليس قصة ضعف… بل قصة قوة هادئة. قوة قلب عرف من أحب، وظل وفيًا لما شعر به، حتى في صمت.

لأن بعض العهود لا تُحفظ من أجل الآخر فقط… بل تُحفظ احترامًا لصدقنا نحن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى