اوروبا والعالم ليسوا بخير. هل ستتغير خريطة العالم قبل 2027؟

اوروبا والعالم ليسوا بخير. هل ستتغير خريطة العالم قبل 2027؟
بقلم م. إميل عجبان
في الثالث من نوفمبر يصوت الأميركيون. في التاسع يجتمع قادة العالم في أنطاليا. في الرابع عشر من ديسمبر يجلسون حول طاولة واحدة في ميامي. ثلاثة تواريخ فقط تفصلنا عن نهاية العام..
لكنها قد تكون اللحظة التي تنهار فيها الحدود بين الأزمات، وتتحول فيها القوة من شيء تُمتلك إلى شيء يُختبر تحت ضغط متزامن لا يرحم.
هذا ليس تنبؤاً حتمياً. هذه قراءة في تقاطع مسارات تتحرك الآن، في وقت واحد، وبسرعة قد لا تمنح أحداً رفاهية الاختيار أو حتى وقتاً للتنفس. فالمفاجأة الأعمق في نهاية 2026 قد لا تكون حرباً جديدة ولا اتفاق سلام تاريخياً، بل أن أزمات متباعدة — انتخابات أميركية، توترات في الشرق الأوسط، صراع على الطاقة، مفاوضات المناخ، وحسابات أوروبا وأوكرانيا — تبدأ في التأثير بعضها في بعض بقوة غير مسبوقة.
عندها لن يكون السؤال فقط: من يملك القوة؟ بل: من يستطيع الحفاظ على خياراته مفتوحة عندما تبدأ الملفات كلها بالضغط في الوقت نفسه؟
واشنطن أولاً: ليس من يحكم.. بل من يستطيع أن يتحرك تحت النار .. ففي 3 نوفمبر يتوجه الأميركيون إلى انتخابات التجديد النصفي التي تشمل كل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. والنتيجة لن تختار رئيساً جديداً، لكنها قد تغيّر قدرة الإدارة على تمرير القوانين والميزانيات، وتؤثر في هامش حركتها خلال العامين الأخيرين من الولاية. والأهم أنها قد تبدأ آثارها على السياسة الخارجية قبل ظهور النتائج النهائية.
كلما اقترب التصويت، زاد الحافز لدى السياسيين لتقديم مواقف حازمة أمام الناخبين، وارتفعت حساسية الملفات المرتبطة بأسعار الوقود والوظائف والأمن. وقد تدفع النتيجة إلى تشدد تفاوضي في التجارة أو العقوبات، أو إلى صراع داخلي يعرقل اتخاذ القرار. لكن الكونجرس وحده لن يحدد مسار الحروب والتحالفات. الأثر الأوضح قد يظهر في تمويل السياسات، والرقابة عليها، وفي الرسائل التي تتلقاها العواصم الأخرى عن استقرار الالتزامات الأميركية.
هل يؤثر الكونجرس فعلياً على السياسة الخارجية؟ أكيد فالكونجرس الأميركي ليس مجرد هيئة تشريعية داخلية. هو أحد أبرز الفاعلين في رسم حدود السياسة الخارجية الأميركية، حتى لو احتفظ الرئيس بسلطات واسعة في الأمن القومي. تأثيره يأتي عبر أدوات محددة وقوية، قد تتحول بعد انتخابات نوفمبر إلى أسلحة ضغط حقيقية.
أولاً، يجب حساب قوة سلطة المال فالكونجرس هو الذي يوافق على الميزانيات، بما فيها ميزانية الدفاع والمساعدات الخارجية وتمويل العمليات العسكرية. يستطيع تقييد تمويل عملية عسكرية معينة، أو ربط التمويل بشروط صارمة، أو رفض زيادات مطلوبة. في حالة الحرب مع إيران، قد يستخدم أعضاء الكونجرس مناقشات ميزانية الدفاع لفرض شروط على استمرار العمليات، أو لطلب تقارير مفصلة عن الأهداف والتكاليف والخسائر. هذا لا ينهي الحرب فوراً، لكنه يجعل استمرارها أكثر كلفة سياسياً وإدارياً.
ثانياً، فيما يتعلق بالرقابة والتحقيقات. فيستطيع الكونجرس عقد جلسات استماع علنية، واستدعاء المسؤولين، وطلب وثائق وتفاصيل عن العمليات العسكرية والمفاوضات والمساعدات. هذه الجلسات تضع الإدارة تحت ضغط إعلامي وسياسي، وتجبرها على شرح قراراتها أمام الرأي العام. في الملف الإيراني، قد تركز الجلسات على أهداف الحرب، وخطط الخروج، وتأثيرها على أسعار الطاقة والتضخم داخل أميركا. وفي ملف إسرائيل، قد تتناول شروط استخدام المساعدات العسكرية. حتى لو لم تصدر قرارات ملزمة فوراً، فإن الضغط العلني يضيق هامش المناورة ويدفع الإدارة إلى الحذر.
ثالثاً، فيما يخص التشريع والقرارات. فإن الكونجرس يستطيع تمرير قوانين تحد من سلطات الرئيس في استخدام القوة العسكرية، أو تفرض عقوبات إضافية، أو تعدل شروط المساعدات. صحيح أن الرئيس يملك حق النقض (الفيتو)، لكن الكونجرس يستطيع تجاوزه بأغلبية الثلثين في المجلسين. كما يستطيع إصدار قرارات غير ملزمة تعبر عن موقف سياسي قوي، تؤثر في الرسائل التي تصل إلى الحلفاء والخصوم.
رابعاً، أما بخصوص السيطرة على اللجان. فإن قيادة اللجان المختصة بالشؤون الخارجية والدفاع والاستخبارات والمخصصات تمنح أصحابها سلطة تحديد الأجندة: ما الذي يناقش؟ ومتى؟ وبأي عمق؟ إذا تغيرت السيطرة الحزبية، فقد تتغير أولويات هذه اللجان تماماً، فتُدفع قضايا معينة إلى الواجهة وتُهمل أخرى.
خامساً، أما التأثير على التحالفات والرسائل. فإنه حتى بدون تشريع مباشر، فإن الخلاف بين البيت الأبيض والكونجرس يرسل إشارات متضاربة إلى العواصم الأخرى. الحلفاء يبدأون في التشكيك في استمرارية الالتزامات الأميركية، والخصوم يرون فرصة للاستفادة من الانقسام. هذا التباين نفسه يصبح عاملاً في السياسة الدولية.
إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس أو المجلسين، فقد يزداد التدقيق في قرارات الإدارة المتعلقة بالحرب مع إيران، وتمويل العمليات العسكرية، والمساعدات الخارجية. يستطيع الكونجرس عقد جلسات استماع علنية، وطلب تفاصيل عن أهداف العمليات وخططها، واستخدام المناقشات على ميزانية الدفاع للضغط على الإدارة. وقد يحاول أعضاؤه تقييد تمويل بعض العمليات أو ربطه بشروط إضافية.
وسيكون الملف الإيراني الأكثر حساسية. فالحرب لا تؤثر في السياسة الخارجية وحدها، بل ترتبط بأسعار الوقود والتضخم، وهما من القضايا التي تشغل الناخبين الأميركيين مباشرة. وقد يتزايد الضغط على الإدارة لتوضيح أهدافها، وشروط إنهاء العمليات، ومبررات استمرارها. كما قد تستخدم المعارضة جلسات الرقابة والتصويت على التمويل لإحراج الإدارة أو تضييق هامش حركتها.
لكن الضغط السياسي لا يعني أن الكونجرس يستطيع ببساطة إنهاء الحرب. فالرئيس يحتفظ بسلطات واسعة في الأمن القومي، وقد يصطدم أي تشريع بفيتو رئاسي أو بخلافات بين أعضاء الحزبين حول ما ينبغي فعله بعد وقف القتال. وإخراج الولايات المتحدة من المواجهة في الخليج لن يكون قراراً بسيطاً، خصوصاً إذا بقيت أزمة مضيق هرمز بلا تسوية واضحة.
أما فيما يتعلق بإسرائيل، فقد تتسع الخلافات داخل الكونجرس حول المساعدات العسكرية وشروط استخدامها. فوز الديمقراطيين قد يمنح الأصوات المطالبة بمراجعة الدعم أو تقييده مساحة أكبر لطرح مشاريع قوانين وجلسات رقابية. لكن ذلك لا يجعل وقف المساعدات نتيجة مضمونة؛ إذ يتوقف الأمر على حجم الأغلبية، ومواقف أعضاء الحزبين، وقدرة الكونجرس على تجاوز اعتراض الرئيس. لذلك قد يكون التغيير الأقرب هو زيادة التدقيق السياسي والضغط العلني، لا انقطاع الدعم تلقائياً.
وقد يظهر أثر الانتخابات أيضاً في المساعدات الخارجية وأوكرانيا. فقيادة جديدة للجان المختصة تستطيع تحديد القضايا التي تُناقش ومواعيد التصويت عليها، وقد تدفع نحو تمويل إضافي لأوكرانيا أو محاولة استعادة بعض برامج المساعدات. لكن تمرير أي خطوة سيظل مرتبطاً ببناء أغلبية كافية وبموقف البيت الأبيض.
والاحتمال الأهم هو دخول واشنطن في مرحلة شد وجذب بين الكونجرس والبيت الأبيض. قد تصبح قرارات الإدارة العسكرية والعقابية أكثر كلفة سياسياً، وتضطر إلى التشاور أو شرح خياراتها بدرجة أكبر. وفي المقابل، قد تواجه العواصم الإقليمية إشارات متباينة من واشنطن: موقفاً من البيت الأبيض، وآخر من الكونجرس. هذا التباين قد يجعل السياسة الأميركية أصعب على الحلفاء والخصوم في تفسيرها، ويفتح باباً للشكوك والمغامرات.
إذًا، قد تضيّق الانتخابات هامش المناورة على الإدارة، لكنها لا تملك وحدها زراً يغيّر مسار الشرق الأوسط. فسلطات الرئيس الواسعة في الأمن القومي، وأولوية الملفات الداخلية، وصعوبة الاتفاق على بديل متماسك للحرب أو لسياسة واشنطن تجاه إيران، كلها عوامل قد تحد من قدرة الكونجرس على فرض تحول سريع. لكن حتى هذا التضييق نفسه كافٍ ليغيّر حسابات الجميع، ويجعل كل قرار خارجي أكثر تكلفة وأكثر تعقيداً.
كما أن الشرق الأوسط ليس جبهة واحدة.. بل شبكة متفجرة تتغذى على بعضها، حيث يرسم الواقع الحالي صورة متوترة للشرق الأوسط، مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، والتوتر في لبنان وسوريا، والتطورات في اليمن والبحر الأحمر. وهذه ليست تقديرات نظرية؛ فمضيق هرمز لم يعد ممراً آمناً بالكامل، وكل ارتفاع في كلفة الشحن أو انقطاع جزئي ينتقل فوراً إلى أسعار النفط العالمية، ثم إلى التضخم في أوروبا وآسيا، ثم إلى الضغط على الحكومات والمجتمعات.
الصورة الأهم ليست أن كل السيناريوهات ستقع حتماً، بل أن أزمة في مسار شحن قد تضاعف أثر أزمة في سوق النفط، وأن ارتفاع كلفة الطاقة قد يضغط بدوره على الحكومات والمجتمعات في مناطق بعيدة عن ساحة القتال. وإذا تعطلت طرق التصدير أو تصاعدت المخاطر حولها، فقد تجد أوروبا وآسيا نفسيهما تتنافسان على الإمدادات نفسها، بينما تبحث الدول عن موردين ومسارات بديلة.
وهكذا تتحول الجغرافيا من خلفية للصراع إلى جزء من أدوات الضغط الاقتصادي. فالسيطرة على الممرات البحرية، أو تهديدها، قد تؤثر في الأسعار والتجارة حتى من دون توسع الحرب إلى مناطق جديدة. والضغوط الإقليمية قد تؤثر في خيارات أطراف أخرى، بما فيها تركيا وباكستان، وقد تدفع دولاً بعيدة إلى إعادة حساب تحالفاتها ومصادر طاقتها.
الحرب مع إيران مستمرة منذ شهور، والتصعيد المحتمل بعد الانتخابات الأميركية يظل احتمالاً قائماً. أي جولة جديدة من الضربات قد تعيد فتح ملف هرمز بقوة أكبر، وتدفع أسعار النفط إلى مستويات تؤلم الجميع. وفي الوقت نفسه، فإن التوتر في الجبهات الأخرى — لبنان، سوريا، اليمن — لا يعمل بمعزل. كل تصعيد في مسار واحد يغذي المسارات الأخرى، ويحول المنطقة إلى شبكة مترابطة من المخاطر لا يمكن عزل أي جزء منها. وهنا يتداخل تأثير الكونجرس مباشرة: أي قيود على التمويل أو زيادة في الرقابة قد تؤثر في وتيرة العمليات أو في الرسائل التي تصل إلى طهران وتل أبيب والعواصم الخليجية.
كما أنه هناك شتاء لا يغفر في أوكرانيا وأوروبا.. والضغط يختبر التحالف من الداخل حيث يتوقع استمرار القتال في أوكرانيا وارتفاع مخاطر الضربات على البنية التحتية للطاقة، إلى جانب احتمال تصاعد الهجمات الهجينة على دول أوروبية. وهذه ليست مجرد توقعات عسكرية؛ فهي تلفت النظر إلى موضع هشاشة واضح: عندما يصبح الشتاء تحدياً للخدمات والطاقة، تتداخل الجبهة العسكرية مع صمود المجتمع وقدرة الحلفاء على الاستمرار في الدعم.
وقد يكون التحول المفاجئ أقل ارتباطاً بتغير خط الجبهة، وأكثر ارتباطاً بما يحدث خلفه. هل تستطيع أوروبا الحفاظ على تنسيقها إذا ارتفعت كلفة الطاقة؟ وهل تبقى المساندة الخارجية مستقرة وسط الضغوط السياسية الداخلية؟ لا تعني هذه الأسئلة أن الانقسام محتوم، لكنها توضح كيف يمكن لضغط طويل الأمد أن يختبر تماسك التحالفات من دون مواجهة مباشرة بين دولها.
كما قد تتأثر حسابات أوكرانيا وحلفائها بما يحدث في واشنطن. فنتائج الانتخابات قد تؤثر في النقاش حول المساعدات والتمويل عبر سلطة الكونجرس على الميزانية والرقابة. أي تحول في السياسة الأميركية سيعتمد على ميزان القوى داخل الكونجرس، وعلى موقف الإدارة، وعلى التطورات الميدانية. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التوتر في الخليج قد يضاعف العبء على أوروبا، ويجعل دعم أوكرانيا أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً.
الشتاء هنا ليس مجرد فصل. إنه اختبار لقدرة التحالف على الصمود تحت ضغط متزامن من الجبهة العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية، مع دور مباشر محتمل للكونجرس في تحديد حجم واستمرارية الدعم الأميركي.
كما يدخل مؤتمر COP31 في أنطاليا الخاص بالمناخ غرفة السياسة الصلبة ويختلط بالحرب والطاقة، حيث تستضيف أنطاليا مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP31 بين 9 و20 نوفمبر. وقد يبدو المؤتمر بعيداً عن ملفات الحرب والانتخابات، لكنه قد يصبح ساحة أخرى للتفاوض على النفوذ: تمويل التكيف مع تغير المناخ، أمن الطاقة، وسلاسل توريد المعادن والتقنيات التي تحتاجها التحولات الصناعية.
إذا حضرت ملفات الطاقة والأمن بقوة، فقد يصعب فصل المفاوضات المناخية عن أسئلة من يدفع كلفة التحول، ومن يضمن الإمدادات، ومن يتحمل آثار الكوارث. لذلك لن يكون السؤال فقط: هل تتفق الدول على أهداف طموحة؟ بل أيضاً: هل تستطيع تحويل تلك الأهداف إلى ترتيبات عملية في عالم تتنافس فيه على الوقود والتقنيات والتمويل؟
وقد يزداد التوتر بين الدول التي تريد تسريع التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، والدول التي ترى أن أمن الإمدادات والأسعار لا يسمحان بالتخلي السريع عن الوقود التقليدي. من هنا، قد تكون نتائج المؤتمر مرتبطة بقدرة الدول على التوفيق بين الالتزامات المناخية واحتياجاتها الاقتصادية والأمنية. وفي ظل التوتر في هرمز وارتفاع أسعار الطاقة، قد تتحول المفاوضات المناخية إلى ساحة للصراع على النفوذ أكثر منها إلى منصة للتعاون. وحتى هنا، فإن مواقف الكونجرس الأميركي تجاه التمويل المناخي والمساعدات الخارجية قد تلقي بظلالها على قدرة واشنطن على تقديم التزامات موثوقة.
أما ديسمبر ميامي فهو القمة التي قد تكشف العجز أو تعيد ترتيب الأوراق، حيث تُعقد قمة قادة مجموعة العشرين في ميامي يومي 14 و15 ديسمبر. وتأتي القمة في وقت قد تتقاطع فيه التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن والذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة.
أهمية القمة لا تكمن في أنها تضمن اتفاقاً تاريخياً، بل في أنها تجمع الاقتصادات الكبرى في لحظة توتر قصوى. قد تكون النتيجة تفاهماً محدوداً بشأن ملف واحد، أو خلافاً على صياغة البيان الختامي، أو حتى عجزاً عن الاتفاق على لغة مشتركة. وفي مناخ دولي متوتر، قد يصبح غياب التوافق نفسه معلومة سياسية: إشارة إلى أن إدارة المنافسة باتت أولوية أعلى من حل أسبابها.
وقد تظهر الخلافات في ملفات التجارة والرسوم الجمركية، أو في تنظيم الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، أو في مسألة تنويع مصادر الطاقة. فالدول لا تتنافس على الأسواق فقط، بل على سلاسل التوريد والمعادن الضرورية للصناعات الجديدة، وعلى النفوذ في المؤسسات الدولية. وأي إشارات متباينة من واشنطن بعد الانتخابات — خاصة إذا دخل الكونجرس والبيت الأبيض في شد وجذب — قد تزيد من صعوبة التوصل إلى توافق، وتجعل الرسائل الأميركية أقل وضوحاً أمام الشركاء والمنافسين.
أما التداخل بين كل العوامل السابقة فهو الذي يضاعف كل شيء..
المؤشر الأهم قد لا يكون تصريحاً منفرداً، بل تزامن الإشارات: تغير في مسار شحن، ثم ارتفاع في كلفة الطاقة؛ تشدد انتخابي في واشنطن، ثم تعثر تفاوضي؛ ووعود مناخية كبيرة، مقابل تنافس حاد على التمويل والتقنيات.
إذا اجتمعت هذه المسارات، فقد لا يشهد العالم ولادة أزمة واحدة جديدة، بل ترابطاً أشد بين الأزمات القائمة. وقد يؤدي ذلك إلى تضاعف آثار كل أزمة، حتى من دون توسعها جغرافياً. فارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد الضغط على الحكومات، والضغط الداخلي قد ينعكس على السياسة الخارجية، والخلاف السياسي داخل واشنطن — خاصة بين الكونجرس والبيت الأبيض — قد يصعّب التنسيق بين الدول في وقت تحتاج فيه إلى التعاون.
وهناك ما هو أعمق: التأثير المتبادل بين الملفات. الحرب في الخليج تؤثر في أسعار الطاقة، وأسعار الطاقة تؤثر في صمود أوروبا وأوكرانيا، والانتخابات الأميركية تؤثر في هامش المناورة في كلا الملفين عبر أدوات الكونجرس المالية والرقابية، والمفاوضات المناخية تصبح رهينة لهذه التوترات. الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة تدخل المعادلة أيضاً، سواء كأداة للمنافسة الجيوسياسية أو كمصدر جديد للتوتر حول المعايير والسيطرة.
وهذه هي المفاجأة الحقيقية لنهاية 2026: قد لا تُرسم خريطة النفوذ في مكان واحد، ولا خلال حدث واحد. قد تتشكل تدريجياً بين صندوق اقتراع أميركي، ومؤتمر في تركيا، وممرات بحرية مضطربة، وطاولة قادة في ميامي. وفي هذا العالم، قد لا يكون الأقوى من يملك أكبر قدر من النفوذ وحده، بل من يستطيع الحفاظ على خياراته مفتوحة عندما تبدأ الملفات كلها بالضغط في الوقت نفسه.
شهران فقط.
والسؤال لم يعد: من يملك القوة؟
بل: من سينجو عندما تضيق الخيارات على الجميع.. ومن سيجد نفسه محاصراً بين أزمات لم يعد يستطيع فصلها، وبين واشنطن منقسمة على نفسها؟
رؤية وتحليل م. إميل عجبان





