حين يصبح العنف تربية

حين يصبح العنف تربية
بقلم أيمن فرغلي
استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان
أخطر ما يمكن أن نفعله بالطفل ليس أن نضربه فقط وإنما أن نقنعه بأن من يضربه يفعل ذلك من أجل مصلحته
هناك فرق كبير بين أن نربي الطفل وأن نجعله يخاف منا
وفرق بين أن نعلمه الصواب وأن نجعله يطيع خوفا من العقاب
وفرق أكبر بين الحزم الذي يبني شخصية الطفل والعنف الذي قد يترك داخله أثرا لا يظهر أمام أعيننا
المشكلة تبدأ عندما نمنح العنف اسما أكثر قبولا ونطلق عليه تربية أو تأديبا ونحاول أن نقنع أنفسنا بأن الألم يمكن أن يصنع إنسانا أفضل
لكن الطفل الذي يتعلم تحت الخوف قد يتعلم كيف يتجنب العقاب أكثر مما يتعلم لماذا كان سلوكه خاطئا
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نجعل الطفل يطيع وإنما كيف نربيه دون أن نكسر بداخله شيئا
من واقعة إلى قضية أكبر
ما أثارته واقعة تعنيف طفل داخل مركز لتحفيظ القرآن ليس مجرد مشهد يستحق المشاهدة والتعليق ثم التجاوز
بل هي مناسبة للتوقف أمام مفهوم أوسع وأكثر خطورة
متى يتحول التأديب إلى عنف
ومتى تتحول التربية من وسيلة لبناء الإنسان إلى وسيلة لإخضاعه
وهل يمكن أن نعتبر العنف تربية لمجرد أن البعض اعتاد عليه أو وجده مقبولا
المشكلة ليست فقط في يد تضرب طفلا
المشكلة أيضا في ثقافة قد تجعل البعض يرى هذه اليد وكأنها تمارس حقا طبيعيا في التربية
عندما يصبح العنف طبيعيا
الأكثر خطورة أن العنف قد يجد من يبرره اجتماعيا أو يبحث له عن الأعذار أو يعتبره وسيلة مشروعة لتقويم سلوك الطفل
وقد نسمع عبارات مثل إحنا اتربينا كده أو هو لازم يتعلم أو الضرب أحيانا بيجيب نتيجة
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو
هل كل ما اعتدنا عليه في التربية يجب أن نحتفظ به لمجرد أننا اعتدنا عليه
التربية ليست مجرد نقل لما ورثناه من أساليب وإنما مسؤولية تتطلب منا أن نراجع أنفسنا باستمرار وأن نسأل عن أثر الطريقة التي نستخدمها على الطفل وليس فقط عن النتيجة السريعة التي تحققها
الحزم ليس عنفا
من المهم أن نفرق بين الحزم والعنف
الحزم يعني أن يضع المربي حدودا واضحة وأن يعلم الطفل أن لكل سلوك نتيجة وأن يلتزم بالقواعد بصورة ثابتة وعادلة
أما العنف فيعتمد على الألم أو الإهانة أو التخويف أو التهديد لإجبار الطفل على الامتثال
قد يجعل العنف الطفل يتوقف عن السلوك في لحظته لكنه لا يعني بالضرورة أنه فهم لماذا كان سلوكه خاطئا أو تعلم كيف يتصرف بطريقة أفضل
الحزم يعلم الحدود أما العنف فيعلم الخوف
ماذا يحدث داخل نفس الطفل
الطفل لا يعيش لحظة العقاب بمعزل عن بقية حياته النفسية
عندما يتكرر تعرضه للإهانة أو الضرب أو التخويف فقد تتأثر صورته عن نفسه وشعوره بالأمان وطريقته في التعبير عن مشاعره وكيفية تعامله مع السلطة والخلاف والصراع
وقد يتعلم الطفل مع الوقت أن الأقوى هو من يستطيع أن يؤلم الآخر أو أن الخطأ يواجه بالإهانة بدلا من الحوار والتصحيح
وهنا تظهر واحدة من أخطر حلقات العنف
فالطفل الذي يتعلم أن العنف وسيلة لحل المشكلات قد يحمل هذه الرسالة معه إلى علاقاته المستقبلية
وهذا لا يعني أن كل طفل يتعرض للعنف سيصبح بالضرورة شخصا عنيفا فالعوامل النفسية والأسرية والاجتماعية متعددة
لكن تكرار العنف داخل البيئة التي يفترض أن تمنح الطفل الأمان ليس أمرا يمكن الاستهانة بآثاره
مسؤولية المؤسسات لا تقل أهمية
حماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها ولا مسؤولية الشخص الذي يتعامل معه بصورة مباشرة
كل مؤسسة تتولى مسؤولية تعليم الأطفال أو رعايتهم تحتاج إلى بيئة واضحة تحمي الطفل وقواعد معلنة للتعامل معه وآليات مناسبة للتعامل مع الشكاوى ومتابعة مستمرة لسلوك العاملين فيها
فوجود الطفل داخل مؤسسة تعليمية أو دينية أو تربوية يعني أن هناك مسؤولية إضافية تقع على عاتق هذه المؤسسة في توفير بيئة آمنة ومحترمة
والرقابة لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع المشكلة بل يجب أن تكون جزءا من الوقاية منها
وماذا لو وافق ولي الأمر
حتى إذا تقبل ولي الأمر استخدام الضرب مع طفله فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم باعتباره تفويضا مفتوحا لممارسة العنف أو الإهانة
فالطفل ليس ملكية خاصة لأحد وحقه في الحماية والكرامة والسلامة الجسدية والنفسية لا يتوقف على موقف الكبار من أساليب التأديب
بل إن تقبل العنف أحيانا يكشف عن مدى تجذر هذه الثقافة داخل المجتمع ويجعلنا أمام حاجة حقيقية لإعادة النظر في بعض المفاهيم التي ورثناها عن التربية
المشكلة لا تخص مكانا واحدا
من المهم ألا نحصر الحديث عن العنف ضد الأطفال في مراكز تحفيظ القرآن أو في مؤسسة بعينها
العنف قد يحدث في البيت أو المدرسة أو النادي أو أي بيئة يتواجد فيها الطفل
وقد تتغير الأماكن لكن التبرير أحيانا يظل واحدا
أنا بضربه لمصلحته
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن حسن النية إن وجد لا يحول الوسيلة المؤذية إلى وسيلة تربوية سليمة
فالطفل يحتاج إلى من يصحح له ويضع له الحدود ويعلمه تحمل المسؤولية لكن دون أن يتحول التصحيح إلى إذلال
التربية البديلة ممكنة
يمكن للوالدين والمربين أن يضعوا حدودا واضحة دون ضرب
يمكن استخدام الحوار المناسب لعمر الطفل والعواقب التربوية المنطقية وتعزيز السلوك الإيجابي والقدوة والثبات في القواعد
هذه الأساليب قد تحتاج وقتا وصبرا أكثر من العقاب الجسدي لكنها تستهدف بناء السلوك وليس مجرد إيقافه للحظات
فالهدف الحقيقي من التربية ليس أن يخاف الطفل من العقاب وإنما أن يتعلم كيف يختار السلوك الصحيح حتى عندما لا يكون هناك شخص يراقبه
حماية الطفل مسؤولية الجميع
في أي واقعة تتعلق بإساءة معاملة طفل يجب أن تكون الأولوية لحماية الطفل والتحقق من ملابسات الواقعة وترك الإجراءات للجهات المختصة وفق القانون بعيدا عن إصدار الأحكام اعتمادا على مقطع أو رواية غير مكتملة
لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن تمنعنا الحاجة إلى التحقق من واقعة بعينها من فتح نقاش أوسع حول ثقافة العنف في التربية
لأن القضية في النهاية ليست طفلا واحدا فقط ولا مكانا واحدا فقط
القضية هي أي نوع من الإنسان نريد أن نصنعه عندما نربي أطفالنا
هل نريد طفلا يطيع لأنه يخاف
أم نريد إنسانا يفهم ويحترم ويتحمل المسؤولية ويعرف كيف يختلف دون أن يؤذي
التربية لا تبنى بالخوف ولا تصنع الشخصية السوية بالإهانة والعنف
الحزم ليس عنفا والرحمة ليست ضعفا
والطفل الذي نريد أن نراه قويا ومسؤولا ومتزنا يحتاج أولا إلى أن يشعر بأنه آمن ومحترم ومسموع
لأن الطريقة التي نعامل بها أطفالنا اليوم قد تصبح يوما ما الطريقة التي يعاملون بها أنفسهم والآخرين





