احتلال العقول

احتلال العقول
أحمد فوزي يكتب
مدير عام ثقافة المنوفية السابق
لم تعد الحروب تخاض بالأسلحة والجيوش فحسب، بل أصبحت تخاض أيضا بالأفكار والصور والروايات الكاذبة. وإذا كانت الجيوش تحتل الأرض، فإن حملات التضليل تحتل العقول، وربما كان احتلال العقل أخطر من احتلال الأرض؛ لأن الأرض يمكن استعادتها، أما العقل الذي أعيد تشكيله وفق رواية مزيفة فقد يتحول إلى أداة تدافع عن مصالح خصومها وهي تظن أنها تدافع عن نفسها.
لقد تجاوز التضليل اليوم مرحلة نشر الأخبار الكاذبة أو الشائعات العابرة، وأصبح مشروع متكامل لإعادة هندسة الواقع في أذهان الناس. فالمتلقي لم يعد يطلب منه أن يصدق كذبة بعينها، وإنما يتم دفعه تدريجيا إلى فقدان ثقته في الحقيقة ذاتها، وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح مستعد لتصديق أي رواية، ومن أي مصدر، حتى من المصادر التي ثبت له يقينا أنها كاذبة، ومهما كانت متناقضة، طالما أنها توافق مشاعره أو مخاوفه أو انحيازاته السابقة.
وهنا مكمن الخطورة الحقيقية. فالتضليل الحديث لا يعتمد على اختلاق الأحداث بقدر ما يعتمد على إعادة ترتيبها، فقد تكون الوقائع صحيحة، لكن طريقة عرضها، وتوقيت نشرها، وحذف بعض عناصرها، وإبراز عناصر أخرى، كلها تصنع واقع مختلف عن الحقيقة، وهكذا لا يعيش الناس الحدث كما وقع، بل كما أريد لهم أن يروه. إنها عملية هندسة للإدراك قبل أن تكون عملية تزييف للمعلومات.
ولأن القضية أصبحت قضية وعي، فإن المواجهة لم تعد إعلامية بالمرة، بل ثقافية في المقام الأول، فالإعلام يستطيع أن ينقل الخبر فقط، ولكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان القدرة على تحليل هذا الخبر أو اكتشاف ما وراءه، أما الثقافة فهي التي تبني العقل، وتغرس القدرة على التحليل، وتنشط السؤال، وتدرب الإنسان على التمييز بين الحقيقة والرواية الكاذبة، وبين المعلومة والدعاية، وبين التحليل والتلاعب.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم هو أن بعض حملات التضليل لا تستهدف تغيير موقف الناس من قضية معينة، وإنما تستهدف تغيير طريقة تفكيرهم نفسها. فهي تدفعهم إلى التسرع، وإصدار الأحكام قبل اكتمال المعلومات، والاعتماد على الانطباع بدل من الدليل، وعلى العاطفة بدل من العقل. وعندما تصبح هذه السلوكيات نمط عام، يصبح المجتمع معها شريك من حيث لا يدري في إنتاج التضليل وإعادة نشره.
وليس من قبيل المصادفة أن تنتشر حملات التضليل في البيئات التي يضعف فيها المشروع الثقافي، فحين تنحصر الثقافة في إقامة الندوات والامسيات والمهرجانات والاحتفال بالمناسبات، وتغيب عنها وظيفتها الأساسية في بناء الإنسان، تترك فراغا كبيرا تملؤه منصات التواصل وخوارزمياتها الرقمية. عندها تصبح الثقافة رد فعل، بينما يتحول التضليل إلى فعل منظم يمتلك الأدوات والتمويل والخطط.
ومن هنا فإن وظيفة المؤسسات الثقافية لم تعد تقتصر على تقديم المنتج الثقافي، بل أصبحت مسؤولة عن بناء مناعة مجتمعية ضد التلاعب بالعقول. وهذه المناعة لا تُبنى بالمواعظ، وإنما بتعليم الناس كيف يفكرون، لا بماذا يفكرون. فالمواطن الذي يمتلك أدوات التفكير، ويعرف كيف يتحقق من المصادر، ويدرك أن الخبر الأول ليس دائما الخبر الصحيح، يصبح أقل عرضة للوقوع في فخاخ التضليل.
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن كثير من الأزمات لم تكن أخطر ما فيها هو الحدث نفسه، بل الروايات الكثيرة التي أُنتجت حوله. فقبل أن تصل الحقائق، تكون آلاف التفسيرات قد انتشرت، وملايين الأحكام قد صدرت، وتكون صورة ذهنية جديدة قد استقرت في الوعي العام، حتى إذا ظهرت الرواية الرسمية أو الحقائق الموثقة، وجد كثيرون صعوبة في تقبلها، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن التضليل سبقها إلى تشكيل عقولهم.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الثقافة ليس أن تنافس سرعة الشائعة، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلا، وإنما أن بناء عقل لا يندفع مع أول رواية، ولا يشارك في نشر معلومة قبل التحقق منها، ولا يعتبر كل ما يراه على شاشة هاتفه حقيقة نهائية، فالثقافة الناجحة لا تمنع وصول الكذب، لكنها تمنع استقراره في العقول.
إن بناء هذا العقل وتحريره من الاحتلال يحتاج إلى مشروع وطني يبدأ من المدرسة، حيث يتعلم الطفل مهارات التفكير والتحليل، ويمر بالمكتبة التي تفتح أمامه أبواب المعرفة، ويصل إلى الجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية التي تعزز لديه ثقافة السؤال والبحث. أما إذا ظل دور الثقافة محصور في النشاط الموسمي، فإنها ستظل عاجزة عن مواجهة منظومات تضليل تعمل على مدار الساعة.
ولعل أخطر ما في التضليل المنظم أنه لا يكتفي بإخفاء الحقيقة، بل يسعى إلى صناعة واقع بديل يعيش الناس داخله، وبمرور الوقت، يصبح هذا الواقع المصنوع أكثر تأثيرا من الواقع الحقيقي، لأن الناس يتعاملون مع ما يعتقدون أنه حدث، لا مع ما حدث بالفعل. وهنا تتحول الثقافة إلى قضية أمن قومي، لأنها تحمي الوعي الذي تُبنى عليه القرارات والمواقف والانتماءات.
ولذلك فإن الاستثمار في الثقافة لم يعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية. فالدولة التي تبني الجسور والمصانع والطرق تحتاج بالقدر نفسه إلى بناء العقل القادر على حماية هذه الإنجازات من حملات التشويه والتضليل، وإذا كانت التنمية تبني المكان، فإن الثقافة تبني العقل الذي يحافظ على المكان ويفهم قيمته ويدافع عنه.
والمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكا للمعلومات، وإنما للأكثر قدرة على التمييز بينها، ولن تنتصر المجتمعات التي ترفع صوتها أكثر، بل المجتمعات التي تمتلك وعي أعمق. ومن هنا فإن الثقافة ليست ترفا فكريا، ولا نشاط هامشي، بل هي خط الدفاع الأول عن الحقيقة، والحصن الذي يحول دون أن تتحول الأكاذيب المنظمة إلى واقع يعيشه الناس، ويعيدون إنتاجه، وهم يظنون أنهم يدافعون عن الحقيقة.





