المقالات

حين يتحول الزواج من حلم إلى مصدر خوف

 

بقلم د/ برديس رزق

إستشاري الصحه النفسيه و علاج الإدمان

لماذا يختار بعض الشباب حياة بلا شريك خوفًا من مسؤوليات لا يضمنون قدرتهم عليهالم يعد رفض الزواج عند بعض الشباب مجرد قرار مؤقت مرتبط بظروف مادية أو رغبة في تأجيل المسؤولية إلى وقت أفضل وإنما بدأت تظهر حالة أكثر تعقيدًا تتحول فيها فكرة الزواج نفسها إلى مصدر للقلق والخوف شاب قد يكون لديه عمل ودخل مقبول وحياة مستقرة نسبيًا لكنه عندما تطرح أمامه فكرة الزواج لا يرى شريكة حياة ولا بيتًا دافئًا ولا أسرة يمكن أن تمنحه معنى جديدًا للحياة

هو يرى فواتيريرى إيجارًا أو أقساطًايرى تكاليف الزواج والأثاث والطعام والعلاج والتعليم والمسؤوليات المتزايدةويرى قبل كل شيء سؤالًا واحدًا يطارده ماذا لو لم أستطع أن أوفر كل هذاهنا تبدأ المشكلةفالخوف من المسؤولية أمر طبيعي لكن عندما يتحول هذا الخوف إلى قناعة راسخة بأن الزواج مخاطرة لا يمكن تحملها فقد ينتقل الإنسان من مرحلة التفكير في تأجيل الزواج إلى مرحلة أكثر حدة وهي رفض فكرة الزواج بالكامل أنا أفضل أن أعيش وحدي

المثير في هذه الظاهرة أن بعض الشباب لا يقولون ذلك بحزن أو تردد

بل يقولونها بمنتهى الارتياح أنا مش عايز أتجوزأنا مرتاح كده مش عايز أجيب حد أظلمه معايا مش ضامن بكرة

لو مش قادر أوفر لها كل احتياجاتها أتجوز ليه

وفي بعض الحالات يصبح القرار نهائيًا في ذهن الشاب فهو لا يبحث عن شريكة حياة ولا ينتظر تحسن الظروف ولا يرى نفسه مستعدًا لإعادة التفكير في الأمر

لقد أصبح الزواج في وعيه مرتبطًا بالخوف من الفشل أكثر من ارتباطه بالرغبة في تكوين أسرة

عندما يصبح الزواج اختبارًا للقدرة المادية واحدة من أخطر التحولات النفسية والاجتماعية أن بعض الشباب أصبح ينظر إلى نجاح الزواج من خلال معيار واحد تقريبًا

هل أستطيع أن أوفر كل شيء

وهنا تظهر مشكلة كبيرة

لأن تكوين الأسرة يتحول من علاقة إنسانية تقوم على المشاركة والتفاهم وتحمل المسؤولية إلى امتحان اقتصادي يشعر الشاب أنه مطالب بدخوله وهو غير متأكد من قدرته على النجاح فيه

فيبدأ العقل في بناء سيناريوهات مخيفة

ماذا لو مرضت زوجتي ماذا لو احتجنا إلى علاج ماذا لو رزقنا بأطفال ولم أستطع تحمل مصاريفهم ماذا لو فقدت عملي ماذا لو زادت الأسعارماذا لو طلبت زوجتي مستوى معيشة لا أستطيع توفيره

ومع تكرار هذه الأسئلة لا يعود الشاب يرى احتمالات النجاح وإنما يرى فقط احتمالات العجز

من القلق إلى الرهاب القلق من المسؤولية يمكن أن يكون طبيعيًا لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التفكير في الزواج مصحوبًا بخوف مبالغ فيه من المستقبل وتجنب مستمر للفكرة وقناعة بأن النتيجة الحتمية ستكون الفشل وهنا قد نكون أمام نمط من التجنب المرتبط بالقلق أكثر من كونه مجرد قرار عقلاني بعدم الزواج والإنسان عندما يخاف من شيء بشكل مستمر قد يكتشف أن أسهل طريقة للتخلص من خوفه هي أن يتجنب الشيء الذي يثيره

من أن يقول أنا غير مستعد للزواج الآن يقول أنا لن أتزوج أبدًاوالفرق بين الجملتين كبير جدًاالأولى تعبر عن قرار مؤقت قابل للمراجعة

أما الثانية فقد تكون أحيانًا محاولة نفسية لإغلاق الباب أمام مصدر القلق بالكامل المشكلة ليست في المسؤولية وحدهالا يمكن أن نختزل الظاهرة في أن الشباب لا يريدون تحمل المسؤوليةهذا تفسير ظالم ومختصرهناك تغير اقتصادي حقيقي وارتفاع في تكاليف المعيشة وضغوط مهنية وتغير في توقعات الحياة الزوجية بالإضافة إلى نماذج أسرية سلبية يشاهدها الشباب حولهم

شاب يرى زيجات مليئة بالصراعات وديونًا وضغوطًا وانفصالات ونزاعات مستمرة حول المال فيبدأ في تكوين ارتباط ذهني بين الزواج وبين المعاناة

ثم يأتي ضغط المجتمع ليضيف سؤالًا آخر

متى ستتزوج

فيزداد الضغط ويزداد القلق ويصبح الزواج بالنسبة إليه مشروعًا ضخمًا لا يستطيع حتى تخيل نقطة البداية فيه

نحن لا نحتاج إلى تخويف الشباب من الزواج أكثر

المشكلة ليست أن نقول للشاب

اتجوز وخلاص ولا أن نقول له كل الناس بتتجوز وأنت لازم تتجوزفالضغط الاجتماعي لا يعالج الخوف بل ربما يزيده وفي المقابل ليس من الصحي أيضًا أن يتحول الخوف إلى عقيدة ثابتة تجعل الإنسان يقتنع بأن الحياة الآمنة لا يمكن أن تكون إلا بلا شريك المطلوب هو أن نعيد تعريف المسؤوليةفالزوج الناجح ليس بالضرورة الرجل الذي يستطيع أن يوفر كل شيء في كل وقت

والأسرة الناجحة ليست الأسرة التي لا تواجه أي أزمة

والزواج ليس عقدًا يضمن أن الحياة ستصبح سهلةالزواج مسؤولية نعم لكنه أيضًا شراكةوالشراكة تعني أن شخصين يتعاونان في مواجهة الحياة وليس أن شخصًا واحدًا يحمل الحياة كاملة فوق كتفيه حين يخاف الشاب من أن يكون غير كاف

ربما تكون هذه هي الجملة الأعمق خلف كثير من حالات رفض الزواج

أنا خايف أكون مش كفايةليست المشكلة دائمًا في عدم امتلاك المال

أحيانًا المشكلة في الإحساس بأن الرجل يجب أن يكون قادرًا على توفير كل شيء بلا نقص وألا يخطئ وألا يتعثر وألا يمر بأزمة وألا يحتاج إلى مساعدة

وهذه الصورة المثالية غير الواقعية قد تصنع ضغطًا نفسيًا هائلًافالإنسان الذي يعتقد أنه لا يحق له الزواج إلا عندما يصبح قادرًا على ضمان المستقبل بالكامل قد ينتظر طويلًا لأن المستقبل بطبيعته لا يمكن ضمانه

وبين الخوف والقرار مساحة يجب أن نتوقف عندها

من حق أي إنسان أن يختار الزواج أو عدم الزواج

لكن من المهم أن نسأل أنفسناهل هذا القرار نابع من رغبة حقيقية في حياة بلا شريك

أم أنه نابع من الخوف هل الشخص لا يريد الزواج فعلًا

أم أنه يريده لكنه يخشى ألا يستطيع تحمل مسؤولياته

هل اختار الوحده أم أنه هرب إليها لأنها تبدو أكثر أمانًا

هذه الأسئلة ليست لإجبار أحد على الزواج وإنما لفهم الدافع الحقيقي وراء القرار

لأن هناك فرقًا بين أن تختار حياة تناسبك وبين أن تحرم نفسك من حياة تريدها خوفًا من أنك لن تكون قادرًا على إدارتها بشكل مثالي

المجتمع أيضًا أمام مسؤوليةإذا كنا نريد معالجة هذه الظاهرة فلا يمكن أن نضع المسؤولية كلها على الشباب

نحن بحاجة إلى تغيير الصورة التي نقدم بها الزواج

نحتاج إلى تعليم أبنائنا أن المسؤولية لا تعني الكمال

وأن الحياة الزوجية ليست منافسة في الإنفاق وأن بناء الأسرة لا يبدأ عندما يصبح الإنسان ثريًا وإنما عندما يصبح قادرًا على تحمل المسؤولية وفق إمكاناته مع وجود وعي وتفاهم وتخطيط

نحتاج أيضًا إلى خطاب اجتماعي أكثر واقعية حول تكاليف الزواج بعيدًا عن المبالغة في المظاهر وبعيدًا عن تحويل الزواج إلى مشروع استهلاكي يبدأ بالديون وينتهي بالضغط

في النهاية

الخوف من الزواج قد يكون أحيانًا أكثر قسوة من صعوبة الزواج نفسهالأن الشاب الذي يخاف من المستقبل قد يقرر أن أفضل طريقة لحماية نفسه هي ألا يدخل التجربة أصلًاوقد يقضي سنوات وهو يرددأنا مرتاح لوحدي بينما الحقيقة التي لا يعرفها أحد سواه قد تكون

أنا فقط خائف ألا أكون قادرًا على أن أكون زوجًا جيدًا

وهنا لا نحتاج إلى إجباره على الزواج ولا إلى لومه ولا إلى السخرية من مخاوفه

نحتاج إلى أن نستمع إليه أن نفهم ما الذي يخيفه

أن نفرق بين عدم الرغبة في الزواج وبين الخوف من الزواج لأن الأولى اختيار

أما الثانية فقد تكون خوفًا نفسيًا واجتماعيًا يحتاج إلى فهم حقيقي قبل أن يتحول الخوف المؤقت إلى قرار دائم بالعيش وحيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى