
الخطيئة الكبرى.. حين تُحصّل الدولة إيراداتها بالعملة المحلية وتُسدد ديونها بالدولار
قلم ايهاب محمود
ماذا يحدث عندما تكون إيرادات الدولة بالعملة المحلية بينما تلتزم بسداد ديونها وفوائدها بالدولار أو اليورو؟ هنا تظهر واحدة من أكثر المعضلات الاقتصادية تعقيدًا، والمعروفة باسم عدم تطابق العملات
وتظهر هذه الظاهرة بصورة خاصة في الاقتصادات النامية
عندما تضطر الدولة إلى الاقتراض الخارجي بالعملات الصعبة نتيجة محدودية قدرتها على إصدار سندات دولية مقومة بعملتها الوطنية وبذلك تصبح الدولة أمام معادلة شديدة الحساسية تحصل على إيراداتها وضرائبها بالعملة المحلية
بينما تسدد التزاماتها السيادية الخارجية بعملات أجنبية
وتزداد خطورة هذه المعادلة عند حدوث صدمات اقتصادية مفاجئة أو تراجع قيمة العملة الوطنية إذ ترتفع تكلفة خدمة الدين الخارجي عند تحويلها إلى العملة المحلية
رغم أن قيمة الدين بالدولار أو اليورو لم تتغير ومع استمرار انخفاض العملة يصبح توفير العملات الأجنبية اللازمة لسداد الأقساط والفوائد أكثر كلفة على الموازنة والاقتصاد
وهنا تبدأ التداعيات المباشرة فقد تضطر الدولة إلى تخصيص جزء أكبر من مواردها واحتياطياتها من العملات الأجنبية لخدمة الدين في وقت تحتاج فيه هذه الموارد أيضًا إلى تمويل واردات السلع الأساسية والطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
كما يرتفع بند خدمة الدين داخل الموازنة العامة وهو ما قد يفرض ضغوطًا على المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والخدمات الحكومية خاصة إذا تزامنت أزمة العملة مع ارتفاع أسعار الفائدة أو تراجع مصادر النقد الأجنبي أو حدوث صدمات اقتصادية خارجية
ولا تتوقف الآثار عند هذا الحد إذ إن استمرار الضغوط على القدرة على السداد قد يؤثر في ثقة الأسواق وفي تكلفة الاقتراض مستقبلًا وقد يؤدي إلى تراجع التصنيف الائتماني وارتفاع تكلفة التمويل وصعوبة النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية
وفي الوقت نفسه قد تجد الدولة نفسها أمام تحدٍ آخر يتمثل في محدودية قدرتها على تفعيل أسواق المال الوطنية بصورة كافية لإصدار سندات حكومية جذابة بالعملة المحلية وهو ما يجعل تنويع أدوات التمويل وتطوير السوق المحلية ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار مالي
ومن الأدوات التي يمكن أن تساعد في تخفيف هذه الضغوط الاتجاه نحو القروض الميسرة طويلة الأجل لأنها تمنح الدولة مساحة زمنية أكبر لإدارة التزاماتها وتقلل من ضغوط السيولة قصيرة الأجل إلى جانب تنويع مصادر الاقتراض وعدم الاعتماد المفرط على نوع واحد من التمويل
كما يمكن الاستفادة من اتفاقيات مبادلة العملات مع الشركاء التجاريين بما يساعد على تسهيل التعاملات التجارية وتقليل الاعتماد الكلي على عملة أجنبية واحدة وفقًا لطبيعة العلاقات الاقتصادية والاتفاقيات المبرمة بين الدول
لكن المعالجة الأعمق تظل في قدرة الاقتصاد نفسه على توليد العملات الأجنبية بصورة مستدامة من خلال زيادة الصادرات وتنمية السياحة وجذب الاستثمارات وتعزيز تحويلات العاملين بالخارج وتطوير القطاعات القادرة على توفير تدفقات نقدية أجنبية حقيقية
فالقضية ليست في الاقتراض الخارجي باعتباره أداة تمويل وإنما في كيفية إدارة هذا الاقتراض والعملة التي يتم بها وتكلفة خدمته والعائد الذي يحققه للاقتصاد
وفي النهاية فإن «الخطيئة الكبرى» تكشف أن مخاطر الدين لا ترتبط بحجمه فقط بل بالعملة التي يُقوَّم بها مقارنة بالعملة التي تحصل بها الدولة على إيراداتها وكلما اتسعت الفجوة بين الاثنين أصبحت تقلبات سعر الصرف قادرة على تحويل عبء مالي قابل للإدارة إلى ضغط واسع على الموازنة والاقتصاد
لذلك فإن بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد النقد الأجنبي
وتعميق أسواق المال المحلية وزيادة التمويل بالعملة الوطنية وتنويع مصادر الاقتراض واستخدام أدوات مالية أكثر مرونة تمثل جميعها ركائز أساسية لتقليل مخاطر عدم تطابق العملات
فالاقتصاد القوي ليس هو الذي لا يقترض وإنما الذي يعرف كيف يقترض وبأي عملة ولأي هدف وكيف يضمن أن يظل الدين أداة لبناء المستقبل لا عبئًا يستهلك موارده





