قهر مؤنث سالم

قهر مؤنث سالم
بقلم دينا عامر
ليست المشكلة دائما في الخطأ الذي ترتكبه المرأة بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى خطئها
فالرجل قد يخطئ فيقال: كانت لحظة ضعف وقد يتصرف بعفوية فيُمنح العذر وقد يندم فيُفتح له باب العودة
أما المرأة فكثيرا ما يكفي أن تتصرف على طبيعتها حتى تبدأ محاكمتها تُفتّش نواياها وتُفسّر كلماتها وتُضخّم هفواتها ثم تصدر الأحكام عليها وكأن من يحاكمها يملك الحقيقة كاملة
يسمح للمرأة أن تكون جميلة لكن بشرط ألا تكون ملفتة
ويسمح لها أن تكون قوية لكن بشرط ألا تبدو مستقلة
ويسمح لها أن تتحدث لكن بشرط أن تختار كلماتها بعناية شديدة وألا ترفع صوتها وألا تدافع عن نفسها أكثر مما ينبغي
فإذا صمتت قيل إنها ضعيفة وإذا تكلمت قيل إنها جريئة أكثر من اللازم وإذا رفضت قيل إنها متكبرة وإذا سامحت قيل إنها ساذجة وإذا اختارت نفسها قيل إنها أنانية
كأن المرأة مطالبة طوال الوقت بأن تعيش داخل مساحة ضيقة رسمها الآخرون لها
مساحة لا تتحرك فيها إلا بحذر ولا تضحك فيها إلا بقدر ولا تحلم فيها إلا بعد أن تحصل على موافقة المجتمع
أما إن أخطأت ولو خطأً عابرا لا يخرج عن طبيعة البشر فإن خطأها لا يُرى بوصفه موقفا بل يحول إلى تعريف كامل لشخصيتها
تختزل سنواتها في لحظة وتمحى حسناتها بسبب زلة وتصبح سيرتها كلها رهينة لتفسير شخص آخر لتصرف واحد
لماذا يعامل خطأ المرأة كأنه فضيحة بينما يعامل خطأ الرجل كأنه تجربة؟
ليس من العدل أن نضع المرأة دائما في موضع المتهمة ثم نطالبها بأن تثق بالمجتمع
وليس من الرحمة أن نحاسبها على نوايا لم تحملها وأن نعاقبها على تأويلات صنعها الآخرون
فالإنسان لا يقاس بأضعف لحظاته ولا يجوز أن تتحول قناعاتنا الشخصية إلى قوانين أخلاقية نلزم بها الجميع
كثير من الأحكام التي تطلق على النساء ليست أحكاما إلهية ولا حقائق مطلقة بل هي قناعات اجتماعية متوارثة تشكلت عبر سنوات طويلة حتى ظن الناس أنها من الثوابت التي لا يجوز الاقتراب منها
قناعات جعلت المرأة دائما الطرف الأضعف ووضعتها في موضع يحتاج إلى التبرير المستمر بينما منحت الرجل مساحة أكبر للخطأ والنسيان والتجربة
حين تبكي المرأة يقال إنها عاطفية وحين تغضب يقال إنها لا تسيطر على نفسها وحين تطالب بحقها يقال إنها تصنع المشكلات وحين تضع حدودا يقال إنها قاسية
نادرا ما يتوقف أحد ليسأل: ما الذي دفعها إلى الغضب؟ ما الذي جعلها تبكي؟ ولماذا اضطرت إلى رفع صوتها كي يسمع صوتها؟
نحن نرى رد فعل المرأة لكننا كثيرا ما نتجاهل ما سبقه
نلوم صرختها ولا نسأل عن سنوات الصمت التي سبقتها
ننتقد قسوتها ولا نرى الخيبات التي صنعته
نصفها بالتمرد ولا نعترف بأنها ربما أمضت عمرا كاملا وهي تحاول أن تكون كما يريد الآخرون حتى فقدت قدرتها على احتمال المزيد
والأصعب من قسوة الأحكام أن تصير المرأة نفسها جزءا من هذه المحكمة
أن تتعلم منذ طفولتها مراقبة النساء الأخريات وأن تكرر عليهن ما قيل لها من قبل: لا ترفعي صوتك لا تضحكي كثيرا لا تثقي بنفسك لا تختاري وحدك لا ترفضي لا تغضبي لا تحلمي بعيدا وهكذا تستمر الدائرة امرأة تقهر امرأة لأنها لم تعرف في حياتها نموذجا آخر للنجاة سوى الخضوع
لكن إنصاف المرأة لا يعني منحها حصانة من الخطأ كما أن التعاطف معها لا يعني تبرير كل تصرفاتها
المرأة مثل الرجل مسؤولة عن اختياراتها ومن حق المجتمع أن يناقش الأفعال التي تؤذي الآخرين
غير أن الفرق كبير بين المحاسبة العادلة وبين التشهير وبين النقد وبين الإدانة وبين تنبيه الإنسان إلى خطئه وتحطيمه بالكامل بسببه
العدل لا يطلب منا أن نبرر الخطأ بل يطلب أن نراه بالحجم نفسه حين يصدر عن رجل أو امرأة
والرحمة لا تعني أن نغلق أعيننا عن الحقيقة بل تعني ألا نسلب الإنسان إنسانيته بسبب عثرة لا ينبغي أن يكون جنس الشخص هو الذي يحدد مقدار الغضب الموجه إليه ولا أن تصبح المرأة مطالبة بأن تكون كاملة حتى تستحق الاحترام
إلى الرجل الذي يقرأ هذا الكلام: لسنا نطلب منك أن تشعر بالذنب لمجرد أنك رجل ولا نضعك في قفص الاتهام
نحن نطلب منك فقط أن ترى ما اعتدت ألا تراه
أن تتخيل كيف يبدو العالم حين تراقب المرأة في كل خطوة وحين تُفسّر عفويتها ضدها وحين تحتاج إلى شرح نواياها أكثر مما تحتاج إلى التعبير عنها
نطلب منك أن تكون عادلا حين تحكم رحيما حين تنقد وأن تتذكر أن المرأة التي أمامك ليست صورة نمطية ولا عنوانا لحكاية قديمة بل إنسانة لها خوفها وتجاربها وتعبها وحقها في أن تكون نفسها
وإلى كل امرأة اعتادت أن تعتذر عن وجودها أو أن تشرح ضحكتها أو أن تخفي غضبها أو أن تشك في نفسها كلما أصدر الآخرون حكما عليها: أنتي لستِ مطالبة بأن تكوني معصومة من الخطأ كي تستحقي الكرامة
لا تسمحي لزلة أن تختصر تاريخك ولا لحكم عابر أن يعرفك ولا لقسوة الآخرين أن تتحول إلى صوت داخلي يهدمك من الداخل
قد تخطئ المرأة نعم
لكنها لا تصبح بسبب خطئها أقل إنسانية ولا أقل استحقاقا للفهم ولا أقل حقا في فرصة جديدة
فالمرأة ليست ملاكا مطلوبا منه أن يظل بلا عيب وليست متهمة تنتظر دورها في المحكمة
إنها إنسانة ومن حق الإنسان أن يعيش ويجرب ويتعلم،ط ويندم ويبدأ من جديد
إن المجتمع الذي يطالب المرأة بالكمال ثم يمنح الرجل الأعذار لا يحمي الأخلاق بل يحمي ازدواجية المعايير
والمجتمع الذي يحاكم النساء قبل أن يسمعهن لا يصنع الفضيلة بل يصنع الخوف
أما المجتمع العادل فهو الذي يزن الأفعال بميزان واحد ويحفظ للإنسان كرامته حتى حين يختلف معه ويعرف أن الرحمة ليست ضعفا وأن الإنصاف ليس انحيازا
لا نريد عالما تُعفى فيه المرأة من المسؤولية بل عالما لا تعاقب فيه على كونها امرأة





