رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم (8)

مقالي الاسبوعي اللواء سمير فرج في جريدة كلمه العرب
الخميس ٢٧ اغسطس ٢٠٢٦
رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم (8)
لواء دكتور/ سمير فرج
أتابع اليوم في مقالي، الذي بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب “رجل الأقدار” الذي أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذي يوثق مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت في هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية، وانتهيت في مقالي السابق عند توليه منصب نائب مدير إدارة المخابرات الحربية.
وطبقًا لتخطيط القوات المسلحة، صدرت نشرة يناير 2010، التي تم بموجبها تعيين اللواء عبد الفتاح السيسي مديرًا لإدارة المخابرات الحربية، ليستمر في هذا المنصب حتى أغسطس 2012، عندما تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع.
وفور صدور النشرة، كان أول المتصلين به المشير محمد حسين طنطاوي، الذي هاتفه وهو عائد من رئاسة الجمهورية عقب توقيع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على قرار التعيين، وقال له: “مبروك يا عبد الفتاح… أنت أول واحد اتصلت به بعد خروجي من مقابلة الرئيس مبارك عقب توقيعه على النشرة. أنت عارف مكانتك عندي… فاكر يوم تعيينك نائب مدير لما قلت لك شد حيلك، الفترة الجاية صعبة وعليك مهمة ثقيلة.”
فرد اللواء عبد الفتاح السيسي قائلاً: “يا فندم، أنا شاكر هذه الثقة، وأطمن حضرتك أني سأبذل كل جهدي عشان مصر أولًا، وأكون عند حسن ظن حضرتك والقوات المسلحة.”
فقال له المشير طنطاوي: “أنا عارف إنك ملم بكل شيء بيحصل بحكم شغلك نائب مدير، لكن عايزك بعد يومين تعرض عليّ الموقف داخل القوات المسلحة وخارجها، وخاصة الموقف في سيناء، وأعرف رؤيتك وتحليلك للفترة القادمة.”
فأجاب السيسي: “حاضر يا فندم.”
وبعد انتهاء المكالمة، أخذ سجادة الصلاة وصلى ركعتين شكرًا لله على توليه هذا المنصب، الذي يعد ثالث أهم منصب في القوات المسلحة المصرية بعد القائد العام ورئيس أركان حرب القوات المسلحة.
ثم كانت أول مكالمة أجراها إلى والده الحاج سعيد السيسي، وأبلغه بالخبر قائلاً: “يا أبي… ادعي لي، المهمة صعبة، وأنت أول واحد أحب أبلغّه.” ثم اتصل بوالدته، التي لم تتمالك دموعها وهي تسمع خبر تعيينه مديرًا للمخابرات الحربية، فقال لها: “يا أمي، أنا وصلت هنا بتوفيق ربنا ثم بدعواتك… ادعي لي.” فردت عليه: “إنت عارف يا ابني إني في كل صلاة بدعي ربنا يوفقك ويحفظك.”
ثم كانت المكالمة الثالثة إلى زوجته وأبنائه، وبعدها طلب من السكرتير تجهيز جدول لقاءاته مع قيادات الإدارة.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعد ساعة، عندما تلقى اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي هنأه بمنصبه الجديد، وقال له: “خلي بالك… عندك مهمة ثقيلة هذه الأيام، وسيناء مسؤوليتك، والأحداث هناك متصاعدة، وأنا عندي ثقة كبيرة فيك.”
وكانت هذه المكالمة من أهم المكالمات التي تلقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي في حياته، إذ شعر منذ تلك اللحظة بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه أمن مصر.
وبعدها تلقى اتصالًا آخر من اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة، الذي قال له: “أنا مش متخيل الأيام عدت بسرعة… فاكر أول مرة شفتك فيها؟ كنت ملازم أول ضابط استطلاع كتيبة، وجاي مع المقدم سمير فرج قائد الكتيبة، وكنا في غرفة العمليات… فاكر يا عبد الفتاح؟”
فرد السيسي: “فاكر يا فندم.”
فقال اللواء عمر سليمان: “سألت عليك وقتها، وقال لي اللواء سمير فرج: الملازم عبد الفتاح السيسي ضابط استطلاع الكتيبة، ضابط شاطر وذكي.”
ثم أضاف: “ربنا يوفقك… أنت متميز، وقادر على تحمل المسؤولية، وسنتعاون معًا بين المخابرات العامة والمخابرات الحربية.”
وهكذا بدأ اللواء عبد الفتاح السيسي مشواره الجديد مديرًا لإدارة المخابرات الحربية، ليتولى مسؤولية أحد أخطر أجهزة القوات المسلحة المصرية في واحدة من أدق الفترات التي مرت بها الدولة المصرية.
وبعد أن هدأت مكالمات التهنئة واستقبال الضيوف، جاء اليوم الثالث، فأصدر تعليماته إلى مدير مكتبه بعدم تحويل أي اتصالات تليفونية إليه، إلا إذا كانت من السيد رئيس الجمهورية، أو وزير الدفاع، أو من أي قائد لديه أمر عاجل. ثم جلس لمدة يومين كاملين يضع تصورًا جديدًا لتطوير العمل داخل إدارة المخابرات الحربية.
ويقول الرئيس السيسي إنه في تلك الأيام وضع خلاصة خبراته التي اكتسبها في جميع المواقع التي شغلها، ليضع شكلًا جديدًا للإدارة، سواء من حيث التنظيم أو أسلوب العمل. وكان من أهم ما تضمنه هذا التطوير إنشاء مركز لإدارة الأزمات، يكون متصلًا مباشرة بمركز إدارة أزمات القوات المسلحة.
وقد صدق المشير محمد حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، على هذا التطوير والشكل الجديد لإدارة المخابرات الحربية.
وفي تلك الفترة كانت الأحداث تتصاعد بسرعة، سواء في سيناء أو في الشارع المصري، خاصة بعد انتخابات عام 2010، وتحركات جماعة الإخوان في الشارع المصري، وكذلك في سيناء. ومن أجل ذلك شكّل اللواء عبد الفتاح السيسي خلية عمل تضم مجموعة من الضباط من مختلف أفرع الإدارة الرئيسية، لمتابعة الأحداث المتسارعة التي تجري في الشارع المصري وسيناء.
وحدد مقر هذه الخلية في غرفة الاجتماعات الرئيسية بإدارة المخابرات الحربية، المجاورة مباشرة لمكتبه، لتكون مهمتها متابعة الأحداث أولًا بأول، وإعداد تقرير يومي يُرفع إلى مدير المخابرات الحربية، وإلى الأمانة العامة لوزارة الدفاع.
وهكذا كانت الإدارة في أعلى درجات الاستعداد، حتى جاءت أحداث 25 يناير 2011 لتنطلق الشرارة التي غيّرت مسار الأحداث في مصر.





