المقالات

ملفات الـCIA السرية.. كيف راقبت واشنطن ثورة يوليو خطوة بخطوة

متابعه امل أبوالعلا
لواء دكتور/ سمير فرج

لا تزال ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، رغم مرور أكثر من سبعين عامًا عليها، واحدة من أهم الأحداث التي غيرت تاريخ مصر والمنطقة العربية، ليس فقط لأنها أنهت الحكم الملكي، ولكن لأنها نقلت مصر إلى مرحلة جديدة جعلتها لاعبًا رئيسيًا في معادلة الشرق الأوسط طوال سنوات الحرب الباردة.
ولعل الكثيرين لا يعلمون أن ثورة يوليو لم تكن محل متابعة دقيقة داخل مصر فقط، وإنما كانت أيضًا تحت المراقبة المستمرة من أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، التي كانت تتابع تطورات الأوضاع في القاهرة ساعة بساعة، وتعيد تقييم كل ما توقعته عن الثورة وقياداتها.
والواقع أن الوثائق التي أفرجت عنها الوكالة الأمريكية خلال العقود الماضية تكشف جانبًا بالغ الأهمية من طريقة التفكير الأمريكية، وكيف كانت تنظر إلى مصر باعتبارها أحد أهم الملفات الإستراتيجية في العالم.
ولعل من أكثر هذه الوثائق إثارة ما عُرف داخل وكالة الـCIA باسم “Post-Mortem” أو “Validity Studies”، وهي دراسات داخلية لم تكن تُكتب لتسجيل التاريخ، وإنما لمحاسبة أجهزة الاستخبارات نفسها، بعد مرور سنوات على أي حدث مهم، للإجابة عن عدة أسئلة: هل كانت تقديراتنا صحيحة؟ وأين أخطأنا؟ ولماذا أخطأنا؟ وكيف نتجنب هذه الأخطاء مستقبلًا؟
ومن هنا جاءت أهمية الملف المصري.
ففي ذلك الوقت لم تكن مصر مجرد دولة عربية، وإنما كانت أكبر دولة عربية من حيث السكان، وصاحبة أهم ممر ملاحي في العالم وهو قناة السويس، كما كانت تضم أكبر قاعدة عسكرية بريطانية خارج الأراضي البريطانية، فضلًا عن تأثيرها السياسي على العالم العربي كله.
ولذلك كان أي تغير في مصر يمثل تغيرًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط، وهو ما جعل واشنطن تتابع الثورة المصرية بدقة شديدة منذ الساعات الأولى.
وكانت هناك عدة أسئلة تشغل المحللين الأمريكيين في ذلك الوقت.
السؤال الأول: هل ستستمر حركة الضباط الأحرار أم أنها مجرد تحرك عسكري مؤقت سينتهي خلال أشهر قليلة؟
أما السؤال الثاني، فكان يتعلق بالرجل الأقوى داخل النظام الجديد.
ففي البداية اعتقدت الاستخبارات الأمريكية أن اللواء محمد نجيب هو القائد الحقيقي للثورة، باعتباره الواجهة الرسمية لها، إلا أن التقارير بدأت تدريجيًا ترصد صعود جمال عبد الناصر، حتى توصلت إلى أن الرجل الذي يدير الدولة فعليًا هو عبد الناصر، وليس محمد نجيب.
أما السؤال الثالث، وهو الأهم بالنسبة لواشنطن، فكان: إلى أي معسكر ستتجه مصر؟
هل ستكون حليفًا للولايات المتحدة؟ أم أنها ستقترب من الاتحاد السوفيتي؟
في البداية كانت التقديرات الأمريكية ترى أن النظام الجديد قد يكون شريكًا محتملاً للولايات المتحدة، لكن هذه النظرة بدأت تتغير مع مرور الوقت، خاصة بعد أزمة تمويل السد العالي، ثم جاءت صفقة السلاح التشيكية عام 1955 لتؤكد أن مصر تسير في اتجاه مختلف تمامًا عما كانت تتوقعه واشنطن.
ولكن ما يلفت الانتباه في هذه الوثائق ليس فقط ما توقعته الاستخبارات الأمريكية، وإنما اعترافها بالأخطاء التي وقعت فيها.
فقد أقرت الوكالة في مراجعاتها بأنها قللت في البداية من قدرة جمال عبد الناصر على إحكام السيطرة الكاملة على القوات المسلحة، كما لم تتوقع نجاحه في التخلص من خصومه السياسيين بهذه السرعة، ولم تدرك مبكرًا قدرته على بناء قاعدة شعبية واسعة داخل مصر والعالم العربي.
بل إن أكبر خطأ اعترفت به الوكالة كان اعتقادها أن حركة يوليو مجرد انقلاب عسكري محدود، بينما أثبتت السنوات التالية أنها تحولت إلى مشروع سياسي متكامل أعاد تشكيل المنطقة العربية بأكملها.
ومن هنا بدأت وكالة الـCIA مراجعة أساليبها في تحليل الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، بعد أن اكتشفت أن أدواتها التقليدية لم تكن كافية لفهم طبيعة التحولات التي شهدتها مصر.
والواقع أن فلسفة العمل داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية تستحق التوقف أمامها.
فهذه الأجهزة لا تكتفي بإعداد التقارير أثناء وقوع الأحداث، وإنما تعود بعد سنوات لتراجع نفسها، وتقارن بين ما توقعته وما حدث بالفعل، بهدف تطوير أساليب التحليل في المستقبل.
ولذلك كانت ما يسمى “Validity Studies” بمثابة عملية مراجعة داخلية شاملة، لا تهدف إلى كتابة التاريخ، وإنما إلى تحسين أداء أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها.
ولم تقتصر الوثائق الأمريكية على هذه الدراسات فقط، بل تضم أيضًا أول تقييم رسمي لشخصية جمال عبد الناصر، وأول تعليق أمريكي على نجاح الثورة، وأول رد فعل بريطاني بعد مغادرة الملك فاروق مصر، وهي جميعها وثائق تكشف كيف كانت القوى الكبرى تنظر إلى ما يحدث في القاهرة في تلك اللحظات التاريخية.
ولذلك، عندما نقرأ اليوم ملفات الـCIA عن ثورة يوليو، فإننا لا نقرأ فقط وثائق استخباراتية، وإنما نقرأ كيف كانت الولايات المتحدة تنظر إلى مصر وهي تبدأ مرحلة جديدة من تاريخها، وكيف أدركت ـ بعد سنوات من المراجعة ـ أن ما جرى في القاهرة عام 1952 لم يكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل بداية مرحلة جديدة غيّرت موازين القوى في المنطقة لعقود طويلة، وهو ما يفسر لماذا ظل الملف المصري واحدًا من أهم ملفات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية طوال سنوات الحرب الباردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى