قرأت لك

قرأت لك: كتبت /ا.د. هيام حسين
نافذة تطل على بساتين الأدب العالمي والمحلي وأتشارك انا والقراء رحيق المعرفة وروائع الأدب من قصص قصيرة وروايات ومسرحيات وشعر. قرأت لك، ذلك الركن الآمن حيث التقي واصدقائي، نتبادل الافكار، فمع كل كتاب عهد جديد بيني وبين الكاتب افند افكاره وأقوم بتحليل ما كتب وأنا وأنت دوما على وعد بلقاء مع صفحات جديدة
تقرأها لكم: هيام حسين (استاذ الأدب الانجليزي بوزارة التعليم العالي)
مسرحية موت فوضوي صدفة(١٩٨٣) للكاتب المسرحي الإيطالي داريوفو
(١٩٢٦ – ٢٠١٦) برع داريو فو في تقديم الكوميديا السوداء والتي كان من خلالها ينتقد سياسات الدولة من حكم فاشي وتجاوزات كانت تحدث من اجهزة الدولة مثل الشرطة والقضاء، كما كان أيضا يقوم بطرح حلول لكثير من المشكلات الاقتصادية التي يتأثر بها المواطن الإيطالي ، فعلى سبيل المثال : تعرضت شركة فيات الشركة الإيطالية المشهورة بصناعة السيارات تعرضت للإفلاس فاضطرت الشركات بفروعها المختلف تقليص عدد العمالة ومن ثم اصبح هناك بطالة وعانت الأسر الإيطالية من ذلك . فما كان من داريو فو سوى انه كتب مسرحية ( مش دافعين مش دافعين) والتي حرض فيها السيدات بالذاهب إلى الأسواق التجارية واخذ ما يلزمهم من سلع ويتجمعن عند البوابات ويأخذن السلع دون ان يدفعوا. بالطبع كان يتعرض للحبس ولذا حتى سيناريو مسرحياته كان يتغير يوميا حسب ظروف العرض وايضا ظروف الحبس. كان يلقب ( ببلياتشو ميلان) فقد وصفوه بالبلياتشو او المهرج كنوع من التشبيه بينه وبين مهرجين العصور الوسطى ومدى مقدرتهم عن التحدث عن كل الاحداث السياسية وانتقادها دون محاكمة فقط لأنه مهرج.
اليوم اخترت لكم للكاتب مسرحية موت فوضوي صدفة.
**داريو فو)Dario Fo)** وهو كاتب مسرحي، وممثل، ومخرج إيطالي بارز (١٩٢، نال جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٩٧.
يُعد داريوفو من رواد المسرح السياسي والساتير (الهجاء الساخر)، حيث تميزت أعماله بإحياء تقاليد كوميديا ارتجالية قديمة مثل (الكوميديا ديلارتي)Commedia dell’arte)ودمجها بالقضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة. اتسم مسرحه بالجرأة والنقد الحاد للسلطة والمؤسسات، والاعتماد الكبير على الأداء الجسدي والارتجال، ومن أشهر روائعه مسرحية موت فوضوي An Accidental Death of Anarchist
برزت في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين مجموعة
تنتهج العنف الثوري والعمل المباشر ضد مؤسسات الدولة والرأسمالية الفاشية
من أبرز هذه التنظيمات(الاتحاد الفوضوي) الحديث خلاف الاتحاد الفوضوي التاريخي المشهور. ولسنا بصدد الحديث عن التنظيم الفوضوي التاريخي وإنما بصدد التحدث عن حركة الفوضويين الحديثة والتي نسج الكاتب خيوط مسرحيته من أحداث معينة حدثت في إيطاليا.
نفذت مجموعات مرتبطة بهذا التيار عدة تفجيرات وعمليات استهدفت مؤسسات حكومية وسفارات ومحطات قطارات ومسارح …الخ. ونظرا لتلاحق التفجيرات أصبحت الشرطة في وضع حرج وأصبح لزاما عليها تقديم جاني محدد ليحاكم على تلك الفوضى؛ ومن هنا أصبحت عمليات الضبط والإحضار للجناة عشوائية الغرض منها أن تنقى صحيفة الشرطة ولا تتهم بالتقصير. وللأسف وقتها كانت هناك ممارسات تعذيب تتم في داخل أقسام الشرطة وبعد تعرض المساجين لتعذيب كبير، يتم اكتشاف انهم لا يمتون للجناة الأصلين بصلة، وبالتالي كان التصرف المتخذ في تلك الحالات التخلص من هذا المسجون بإلقائه من أحد الطوابق في قسم الشرطة والادعاء بأن حدث نوعا من مس الجنون للجاني فظن أنه يستطيع الطيران ويموت. وكانت حوادث الموت المفاجئ عن طريق الإلقاء من طوابق قسم الشرطة تتكرر وكانت الوسيلة المثلى حتى تضمن الشرطة عدم الكشف عما يحدث من انتهاكات متمثلة في وسائل التعذيب لأبرياء دون التحري بدقة عن الجناة الفعليين.
تستند مسرحية “موت فوضوي صدفة” بشكل أساسي إلى حادثة مقتل عامل السكك جيسبي بنيلي. (Giuseppe Pinelli)
والذي أتهم اعتباطا بحادثة من حوادث التفجيرات، تلك التفجيرات التي كانت تتم على ايدي مجموعة من الفوضويين في إيطاليا وحملات القمع التي تلتها (خاصة بين عامي ١٩١٩-١٩٢١)، حيث تعرض عمال السكك الحديدية والنشطاء النقابيون للاعتقال الجماعي التعسفي والاشتباه بهم إبان الاضطرابات العمالية والتفجيرات التي نفذتها الجماعات الفوضوية ضد مؤسسات الدولة. وللأسف مات جيسيلي بينيلي ظلما وعدوانا عام ١٩٦٩ . وبعد ان تم عرض مسرحية موت فوضوي صدفة تنبه اهل جيسبي بعد مرور عقود على مقتله واعتصموا امام المحكمة في طلب من عائلته لفتح ملفات قضيته من جديد.
القصة والأحداث:
تأخذ المسرحية طابع الكوميديا السوداء الساخرة حيث يتسلل محتال ذكي ومصاب بالهوس (يُعرف بالمهووس بالتقمص) إلى مقر الشرطة. مستغلاً تشابه الأسماء، ينتحل شخصية قاضٍ أُرسل للتحقيق في الحادث.
وبمكره ودهائه، يبدأ هذا المحتال في استجواب ضباط الشرطة المتورطين في القضية، ويدير معهم لعبة مسرحية وتناقضات تكشف كذب روايتهم الرسمية. ومن خلال تبديل الأدوار وتمثيل وقائع الحادث عدة مرات، يُجبر رجال الشرطة -دون وعي منهم- على الاعتراف بتورطهم في دفع الفوضوي من النافذة للتغطية على جرائمهم.
نقد السلطة: تكشف المسرحية حجم الفساد، التلاعب بالأدلة، وقمع فاشية مؤسسات الدولة آنذاك، وبدلا أن تكون اقسام الشرطة اماكنا لحفظ الأمن اصبحت أماكنا لممارسة القمع والإرهاب.
التضليل الإعلامي: تُسلط الضوء على كيف تستخدم الأنظمة الاستبدادية وسائل الإعلام لتزييف الحقائق وتلفيق التهم.
تتميز المسرحية بالضحك الممزوج بالمرارة، وتطرح تساؤلات حول العدالة بطريقة ذكية وتدفع الجمهور للتفكير في الروايات الرسمية للأحداث. كما يعتبر الإعلام وسيلة لتزييف الحقائق فإن الإعلام يعتبر القوى الناعمة التي تبني وعيا وتمهد طرق الحريات وتجابه بقوة كل انواع الفساد. فكما قال جوزيف غوبلز ، وزير الدعاية في ألمانيا النازية إبان فترة الحرب العالمية الثانية.
النص الكامل للمقولة هو: “أعطني إعلامًا بلا ضمير، أُعطك شعبًا بلا وعي.





