المقالات
أخر الأخبار

خارج نطاق الخدمة ‏هل ينصف القانون المصري. عاملات الشاشات؟

كتبت /دينا عامر

‏لم يعد سوق العمل للمرأة المصرية مقتصرا على المكاتب والمصانع بل امتد ليصبح خلف شاشات الهواتف والحواسيب
‏فبينما فتح الاقتصاد الرقمي من عمل عن بعد وتجارة إلكترونية وصناعة محتوى أبوابا جديدة لتمكين المرأة اقتصاديا وتجاوز عقبات الانتقال والرعاية الأسرية إلا أنه وضعها في الوقت ذاته داخل منطقة رمادية تشريعيا تثير التساؤل حول مدى كفاية القوانين الحالية لحماية عاملات الشاشات
‏إذ تستيقظ الأم المصرية لتبدأ أعمالها المنزلية ورعاية أطفالها لتجد أن هاتفها لا يتوقف عن الرنين برسائل واتساب من مدير العمل وإيميلات عاجلة وتكليفات تتطلب التنفيذ الفوري في وقت متأخر من الليل
‏بناء على افتراض مسبق وغير عادل بأنها متاحة على مدار الساعة لمجرد أنها تعمل من المنزل وهو واقع يومي مرير يكشف عن قصور تشريعي يصطدم مباشرة مع فلسفة قانون العمل المصري الحالي (رقم 12 لسنة 2003) الذي وضع قواعد صارمة تحدد ساعات العمل بحد أقصى ثماني ساعات يوميا وتضمن فترات راحة محددة لكنه صمم خصيصا لبيئة العمل التقليدية التي تنتهي العلاقة القانونية بها بانتهاء مواعيد المكتب ومغادرة المكان البدني مما يفرز مشكلة معقدة تعرف دوليا بغياب حق الفصل الرقمي (Right to disconnect) وحق الموظفة في تجاهل وسائل التواصل الرقمية بعد مواعيد العمل الرسمية دون التعرض لجزاء وظيفي أو تهميش مستتر وهي أزمة لا تتوقف عند الموظفات عن بعد بل تمتد لتشمل مئات الآلاف من النساء اللواتي يدرن مشروعات صغيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي أو يعملن كصانعات محتوى مستقلات
‏فرغم أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018) وفر حماية جنائية رادعة للمرأة ضد الابتزاز الإلكتروني وانتهاك حرمة الحياة الخاصة بجرائم تشكل عقوبات مشددة إلا أن توفير الأمان الوظيفي والضمان الاجتماعي ما زال غائبا تماماً عن هؤلاء العاملات اللواتي يجدن أنفسهن بلا عقود رسمية وخارج مظلة التأمينات الاجتماعية والصحية وبدون أي نصوص قانونية تضمن لهن حقهن في إجازات الوضع أو رعاية الطفل أو حتى تعويضات إصابات العمل الناتجة عن الإجهاد الرقمي
‏ولمواجهة هذا الفراغ التشريعي المتزايد وتوفير حماية حقيقية تواكب العصر يكمن الحل في ضرورة تدخل المشرع المصري عبر مسارين متوازيين وسريعين
‏الأول هو صياغة فصل كامل وصريح ينظم عقود العمل عن بعد في مسودة قانون العمل الجديد يلزم أصحاب الأعمال بتحديد ساعات اتصال رقمي واضحة لا يجوز اختراقها واعتبار أي تواصل خارجها عملا إضافيا مدفوع الأجر
‏والثاني هو تدشين مظلة تأمينية مرنة ومبتكرة بوزارة التضامن الاجتماعي تتيح للعاملات المستقلات في الفضاء الرقمي الاشتراك الرمزي وضمان معاشات وإجازات أمومة رسمية ليتكامل التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية مع حمايتها القانونية والنفسية
‏ويكون من حقها أصلا بموجب نصوص القانون وصيانة لكرامتها أن تصبح.. خارج نطاق الخدمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى